كتبه/ عصام حسنين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكرنا في المقال السابق: أن الرؤية الممكنة له -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته إنما تقع في المنام لا في اليقظة، ولو كانت ممكنة يقظة لبَيَّنها -صلى الله عليه وسلم- لأمته.
وكذلك قامت الأدلة على أن جسده الشريف في ضريحه -صلى الله عليه وسلم-، وأنه يحيا حياة برزخية إلى أن يبعث من قبره -صلى الله عليه وسلم-:
قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ). قالوا: وكيف تعرض عليك وقد أرمت؟ قال: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ) (رواه أبو داود وصححه الألباني).
قال ابن القيم -رحمه الله-: "لو لم يكن جسده في ضريحه -صلى الله عليه وسلم- لما أجابهم بهذا الجواب" (الروح).
وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن الله -تعالى- يرد عليه روحه ليرد السلام على من سلم عليه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).
- وهذه حياة برزخية، ويُجرَى الحديث على ظاهره، وحديث: (إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَكًا أَعْطَاهُ أَسْمَاعَ الْخَلَائِقِ، فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ أَحَدٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَبْلَغَنِي بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَدْ صَلَّى عَلَيْكَ، فَيُصَلِّي الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرًا) (أخرجه البزار وغيره، وقال الألباني: "حسن لغيره").
- وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أنه أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة، فقال: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) (رواه مسلم).
- والأصل المقرر أن الميت لا يرجع إلى حياة الدنيا بعد موته، إلا ما وقع بإذن الله آية ومعجزة؛ قال -تعالى-: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) (طه: 55). ولم يقل: تارات أخرى.
- ومن مات أمسك الله روحه، فلا يتمكن من التصرف في الدنيا كتصرف الأحياء؛ قال -تعالى-: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (الزمر: 42).
- وهو في حياة برزخية إلى يوم البعث، قال -تعالى-: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ . كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا . وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون: 99-100)، وهي آية صريحة في نفي رجوع من سأل الرجعة عند الموت إلى الدنيا للعمل والتكليف قبل يوم القيامة، فثبت بهذا: أن رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- يقظة بعد موته ممتنعة شرعًا.
كما أن القول بها يلزم منه لوازم باطلة؛ لأنه يلزم من ذلك:
- ألا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها.
- وألا يراه رائيان في آن واحد في مكانين.
- وأنه يحيا الآن حياة دنيوية، ويخرج من قبره، ويمشي بين الأسواق، ويخاطب الناس ويخاطبونه!
- ويلزم من ذلك: أن يخلو قبره من جسده، فلا يبقى في قبره منه شيء، فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب؛ إذ يلزم على هذا القول: أن يُرَى في الليل والنهار، مع اتصال الأوقات، على حقيقته في غير قبره!
"وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل"؛ قاله الإمام القرطبي -رحمه الله-.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.