الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 05 أغسطس 2026 - 22 صفر 1448هـ

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (25) اسما الله (الأول، الآخر) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).

- لم يرد ذكر هذين الاسمين الكريمين (الأول، والآخر) إلا مرة واحدة في القرآن والسنة: قال -تعالى-: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد: 3). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: (اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ) (رواه مسلم).

- معنى هذين الاسمين الكريمين (الأول والآخر) في حق الله -تعالى-: قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ) (رواه مسلم)؛ ولذلك قال ابن جرير -رحمه الله-: الأول: قبل كل شيء بغير حد. وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ) (رواه مسلم)؛ ولذلك قال ابن جرير -رحمه الله-: الآخر: بعد كل شيء بغير نهاية (تفسير الطبري).

وقال الخطابي -رحمه الله-: "(الآخر) هو الباقي بعد فناء الخلق. وليس معنى (الآخر) ما له انتهاء، كما ليس معنى (الأول) ما له ابتداء" (شأن الدعاء).

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "سبق كل شيء بأوليَّته، وبقي بعد كل شيء بآخريَّته".

وقال -رحمه الله-: "فإحاطة أوليَّته وآخريَّته بالقَبْل والبَعْد، فكل سابق انتهى إلى أوليَّته، وكل آخر انتهى إلى آخريَّته، فأحاطت أوليَّته وآخريَّته بالأوائل والأواخر" (مدارج السالكين)(1).

الوقفة الأولى: حول معنى الأولية في حقِّ الله -تعالى-:

- فأولية الله -تعالى- تقدمه على كل مَن سواه في الزمان: عن عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال: إني عند النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ جاءه قوم من بني تميم فقال: (اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ). قالوا: بشرتنا فأعطنا. فدخل ناس من أهل اليمن فقال: (اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ). قالوا: قبلنا. جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: (كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ) (رواه البخاري).

- وأولية الله تقدمه على كل من سواه في القدر والصفات: قال -تعالى-: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر: 67).

- على هامش معنى الأولية: (كان فرعون الغبي يخدع الأتباع الأغبياء ويقول: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) (النازعات: 24) من خلال توهمه أوليَّته في الزمان عليهم، حيث قيل: إنه كان طويل العمر، فكان ينظر إلى من حوله فيجدهم يولدون بعده، ويموتون قبله، فلهذا توهم الربوبية!).

الوقفة الثانية: حول معنى الآخرية في حق الله تعالى:

- وآخرية الله -تعالى- بقاؤه على كل من سواه في الزمان، بل الزمان له مخلوق: قال -تعالى-: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) (الحجر: 23). قال أبو السعود -رحمه الله- في تفسيره: "أي: نحن الباقون بعد فناء الخلق قاطبة، المالكون للملك عند انقضاء زمان الملك. وقال -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) (مريم: 40)".

قال ابن جرير -رحمه الله-: "بأن نميت جميعهم فلا يبقى حي سوانا إذا جاء ذلك الأجل". وقال الزجاجي -رحمه الله-: "الله -عز وجل- وارث الخلق أجمعين؛ لأنه الباقي بعدهم وهم الفانون".

- فالعبد فانٍ هالك مهما جمع من جاه الدنيا، وجنى من سلطانها، وتربَّع على كنوزها، وعلا في مراتبها؛ فقد خلقه الله من تراب، ثم هو صائر لا محالة إلى التراب؛ قال -تعالى-: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (الرحمن: 26- 27)، وقال -تعالى-: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص: 88).

وقال الشاعر:

لِدُوْا للموت وابنوا للـخــراب                فـكـلـكـم يــصــير إلى ذهــاب

لمن نـبـني ونحن إلى تــراب                نـصـيـر كما خلقنا مـن تـراب

ألا يـا مـوت لم أرَ مـنـك بـدًّا                أبـيـتَ فلا تَـحـيـفُ ولا تحابي

كأنك قد هـجـمت على مشيبي               كما هجم المشيب على شبابي

ويـا دنـيـاي مـا لـي لا أرانــي              أســومُـك مــنــزلًا إلا نـبـا بـي

ألا وأراك تــبــذل يـا زمـــانـي              لي الدنيا وتـســرع باستـلابي

وإنـك يا زمـان لـذو صــروف               وإنـك يا زمـان لـذو انــقـلاب

الوقفة الثالثة: من آثار التعبد لله باسميه (الأول والآخر):

أولًا: اليقين بأن أولية كل شيء وآخريَّته بيده -تعالى- (الأول والآخر): قال -تعالى-: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء: 104)، وقال -تعالى-: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) (يس: 79). وقال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) (الروم: 27).

ثانيًا: عدم الاغترار بالأسباب المادية، أو الوثوق بالمؤهلات الذاتية؛ لأنها من الله، مستمدة من أوليَّته، فانية بآخريَّته: قال -تعالى-: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) (النحل: 53)، وقال: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ) (الدخان: 25- 27).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وعبوديته باسمه (الآخر) تقتضي عدم ركونه ووثوقه بالأسباب، والوقوف معها، فإنها تنعدم لا محالة، وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها"(2).

ثالثًا: أن يجعل العبد همه هم المعاد (أي: الرجوع إلى الله الآخر): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "تعبَّد له باسمه (الآخر)، بأن تجعله وحده غايتك التي لا غاية لك سواه، ولا مطلوب لك وراءه... فإن إلى ربك المنتهى".

رابعًا: إفراد الله بالعبادة: فربٌّ بهذين الاسمين العظيمين المحيطين، يستحق أن يكون هو المعبود وحده، والمتوكَّل عليه وحده، والمدعو وحده؛ ولذلك لمَّا جاء أهل اليمن وقالوا: جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ أجابهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بفقه اسم الله (الأول)، فقال لهم: (كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ) (رواه البخاري).

خامسًا: الاتصاف بالأولية في السبق إلى فعل الخيرات، والمنافسة على الأولية في كل وجوه الطاعات: قال -تعالى-: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون: 61)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ) (رواه مسلم).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جرى على ألسنة كثير من المتكلمين وبعض أهل السنة -أحيانًا- تسمية (الرب) -تعالى- (بالقديم)، والقديم ليس من أسماء الله -تعالى- الحسنى. والتزام تسميته بـ(الأول) هو الموافق للكتاب والسنة، واللغة، ويؤدي ما يؤديه (القديم) وزيادة، فإن (القديم) يعم كل متقدم على غيره في الزمان، وأمَّا (الأول) فإنه يدل على التقدم المطلق على كل شيء.

(2) للاستزادة: قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "فعبوديته باسمه (الأول) تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب، والوقوف أو الالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته، وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد، إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده، وأي وسيلة كانت هناك، وإنما هو عدم محض، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، فمنه سبحانه الإعداد، ومنه الإمداد وفضله سابق على الوسائل. والوسائل من مجرد فضله وجوده؛ لم تكن بوسائل أخرى. فمن نزل اسمه (الأول) على هذا المعنى أوجب له فقرًا خاصًّا وعبودية خاصة.

وعبوديته باسمه (الآخر) تقتضي أيضًا عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها، فإنها تنعدم لا محالة، وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بـ (الآخر) سبحانه تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول، فالمتعلق به حقيق أن لا يزول ولا ينقطع، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به. فتأمل عبودية هذين الاسمين وما يوجبانه من صحة الاضطرار إلى الله وحده، ودوام الفقر إليه دون كل شيء سواه، وأن الأمر ابتدأ منه وإليه يرجع، فهو المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وإليه تنتهي الأسباب والوسائل، فهو أول كل شيء وآخره، وكما أنه رب كل شيء وفاعله وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التي لا صلاح له، ولا فلاح، ولا كمال إلا بأن يكون وحده غايته ونهايته ومقصوده، فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبودياتها وإراداتها ومحبتها، فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله، كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ. فكما كان واحدًا في إيجادك فاجعله واحدًا في تألهك إليه لتصح عبوديتك، وكما ابتدأ وجودك وخلقك منه فاجعله نهاية حبك وإرادتك وتألهك إليه لتصح لك عبوديته باسميه (الأول والآخر) وأكثر الخلق تعبدوا له باسمه (الأول) وإنما الشأن في التعبد له باسمه (الآخر) فهذه عبودية الرسل وأتباعهم، فهو رب العالمين وإله المرسلين سبحانه وبحمده" (طريق الهجرتين).