الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 29 يونيو 2026 - 14 محرم 1448هـ

(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) (من تراث الدعوة) (2)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (يونس:82)؛ فبكلمات الله الكونية يأمر الله سماواته وأرضه، ويأمر أرواح عباده وأجسادهم، ويأمر قلوبهم بما شاء -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، كما أمر السماء أن تمطر والأرض أن تنبع بالماء حتى طغى الماء وحمل نوحًا والمؤمنين ومَن شاء في الجارية، (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) (الحاقة:12)، وأمَرَ النارَ: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء:69)، وأَمَر سُبْحَانَهُ البحر: (فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (الشعراء:63)، وقال -تعالى-: (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ) (الشعراء:64).

لولا أن الله طمس على عقل فرعون لما تحرك خطوة حين رأى البحر ينفلق بعدد أسباط بني إسرائيل ويصبح اثني عشر طريقًا في البحر يَبَسًا بضربة مِن عصا موسى التي عهد منها قبل ذلك الأعاجيب، ولكن مع ذلك  سار! كيف سار؟! (وَأَزْلَفْنَا)، فِعل الله، الله الذي جعل في عقله أنه ينبغي أن تسير وراءهم، وجعل جبريل -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بطريقة خفية يحث فرسه على التقدم والعميان -جنده وأتباعه- خلفه يسيرون، بسبب التقليد الأعمى الذي تعودوا عليه عبر سنين عمرهم أنهم يسمعون ما قال فرعون، ويطيعون ما قال فرعون، (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ . فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ... ) (الزخرف:45-46)؛ الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- قَرَّبَهم إلى وسط البحر: (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ . وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ) (الشعراء:64-65)؛ لم يُفقد منهم شيخٌ ولا صبي، ولا امرأة عجوز، ولا عاجز مريض، بعد سنين الاضطهاد -والتي لا شك تُورِث أنواع الأمراض والعجز- ومع ذلك  نجوا جميعًا بما يحملون.

إنها أيام الله وأوامره: (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) (الشعراء:66)؛ أمر البحر فالتطم، على فرعون وجنده مرة أخرى.

فكما فَقَد فرعون وجنده الحُجَّة يوم الزينة، يوم أن أَمَر اللهُ قلوبَ السحرة بالإيمان، رأى الناس حُجَّة واحدة واختلفت القلوب اختلافًا بَيِّنًا، عندما أمر الله موسى أن يُلقي عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف:118)، في لحظاتٍ ساد الصمت الهائل الرهيب؛ الساحة كلها خلت إلا من الثعبان المهيب، أكل في لحظةٍ مئات الألوف من العِصِيِّ والحبال التي كان يبدو أنها ثعابين يخيل إليهم من سحرهم أنها تسعى؛ (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (الأعراف:116)، وزال ذلك في لحظة، (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وإذا  وجوهٌ صاغرة منكسرة مغلوبة.

(فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ) (الأعراف:119)، انظر في هذا الجانب مِن صورة المشهد لترى وجوه فرعون وهامان وكبار القادة، في حيرة عجيبة، وانكسار شديد، وصَغَار في حجتهم؛ فماذا يصنعون؟! وماذا يقولون لهؤلاء الخَلق المجتمعين؟! وهم يبحثون عن الناس؛ لم يبحثوا عن الحق ولم يَطلبوه، (فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ).

وتأمل في جانب آخر.. السحَرة الذين كانوا في أول النهار يبحثون عن الأجر من فرعون: (قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ . قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (الشعراء:41-42)؛ يَعرضون على موسى أن يُلقي أولًا أو يلقوا هم؛ ليقينهم أنهم منتصِرون! يريدون الأجر.

ولكن سبحان الله! 

تغيرت القلوب في لحظة: (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) (الأعراف:120)، ألقى الله في قلوبهم الإيمان، في تلك اللحظة العجيبة استقر الإيمان في قلوب بني إسرائيل بما أيد الله موسى، وتغيرت قلوب السحرة فصاروا من السحر إلى الإيمان (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (الأعراف:121-122)، هو مُقَلِّب القلوب يقلبها كيف يشاء، كما أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام-.

لا يملك أحدٌ منا قلبَه، حتى ثباته على التوحيد إلى أن يلقى الله، وثباته على الطاعة إلى أن يلقى الله، وحبه للإيمان والخير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال:24)، كما قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني)، وكان -عليه الصلاة والسلام- يقول: (يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وكان يقول: (اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ) (رواه مسلم).

تأمَّل أن "السامري" قد شهد هذه الآيات، وشهد أثر الرسول -أثر جبريل- يوم هلاك فرعون، فأخذ قبضةً من آثاره، وهو يسير ليدفع فرعون وجنده إلى الهلاك وينجي بني إسرائيل، ومع ذلك آثر عبادة العجل!

كيف تقلبت القلوب؟!

كيف اقتنع بنو إسرائيل -بل كثيرٌ منهم اقتنع فعلًا- بهذا العجل؟! والذي كان بدعوة دعاها هارون للسامري لكي يلقي ما في يده أن يعطيه الله ما يريد، فتحول إلى ما كان أُشربه من حب عبادة البقر، فصار عجلًا جسدًا له خوار، لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلًا؛ لا يبيِّن لهم حقًا ولا ينهاهم عن باطل، ولا يصدر منه إلا صوت خوار، كخوار البقر، وإذا بهم يقبلون ما قال السامري: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) (طه:88).

ألا نخشى على قلوبنا؟!

أفلا نتضرع إلى الله أن يثبت قلوبنا وأن يقلبها دائمًا على الحق كما ثبَّت قلوب السحرة على الإيمان بعد التهديد (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)؟!

وللحديث بقية -إن شاء الله-.