كتبه/ محمد خلف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن فتنة المال من أشد الفتن على الإنسان، ومن أكثرها تعلقًا بقلبه كما قال -تعالى-: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (العاديات: 8).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) أي: وإنه لحب الخير -وهو: المال- لشديد. وفيه مذهبان: أحدهما: أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال. والثاني: وإنه لحريص بخيل؛ من محبة المال. وكلاهما صحيح".
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني -رحمه الله-).
فكم من حرمات تُنتهك، ودماء تُسفك، وأرحام تُقطع من أجل تحصيل المال، وكم إرث أُكل حرصًا على المال، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإن من أعظم ما يحتاجه المؤمن للتخلص من هذه الفتنة العظيمة -بعد الدعاء والاستعانة بالله: أن يستحضر دائمًا موقفه بين يدي الله العزيز القدير -سبحانه وبحمده-، وحاجته وعظيم فقره إلى الأسباب التي يحصل بها العبد رحمة العزيز الرحيم في هذا الموقف.
لذلك تجد القرآن الكريم بعد ما يذكر فتنة المال والحرص عليه يُتبع في أكثر من موضع بالتذكير باليوم الآخر والجزاء والحساب؛ كما في سورة البقرة بعد الحديث عن آيات الربا وشؤم فاعله، ختم سبحانه بآية هي من أعظم ما تكون إيقاظًا وإحياءً للقلوب المريضة والميتة، فقال: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (البقرة: 281).
وكذا بعد ما ذكر جزاء المطففين؛ نوَّه -سبحانه- على أن السبب في الوقوع في هذه المخالفة الجسيمة هو: النسيان والغفلة عن هذا اليوم العظيم -وهو اليوم الآخر-، فقال: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ . الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ . وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ . أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (المطففين: 1- 6). وفيه إشارة إلى أن الإيمان بالله واليوم الآخر، والاستجابة لأوامر الله سبب عظيم في النجاة من هذه الفتنة والفعل القبيح.
وكذا في سورة الفجر بعد الحديث عن حال هؤلاء القوم الذين وصف الله حالهم قال -تعالى-: (كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ . وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ . وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا) (الفجر: 17-19)، فكان حب المال الجم الكثير (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (الفجر: 20)، هو الدافع في الحقيقة على عدم الإحسان والإكرام لليتيم، بل ولربما أكلوا ماله سحتًا، والبخل حتى في الأمر بالكرم والمعروف، وكذلك حملهم على أكل ميراث غيرهم ولمه وجمعه إليه.
لذلك نقلهم الله -سبحانه وبحمده- نقلة جميعنا أحوج ما نكون إليها دائمًا وعدم الغفلة عنها، بل نضعها نصب أعيننا، وهي: التذكير بأهوال وأحوال الدار الآخرة مبينًا أن هذا المال، بل هذه الدنيا القليلة المتاع إلى زوال وإلى انتهاء، وأن هناك موعدًا متحققًا ومتأكدًا حصوله، وهو البعث ليوم الدين والجزاء والحساب، فقال -تعالى-: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا . وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صفًّا صفًّا . وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) (الفجر: 21- 24).
فثمَّ حياة حقيقية تنتظرك؛ فعليك أن تعد لها العدة وتجمع لها الزاد حتى لا تُقدم عليها مفلسًا، وتحلل من المظالم في هذه الدنيا القصيرة وإن طالت حتى لا تندم يوم القيامة مع النادمين يوم لا ينفع الندم كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) (رواه البخاري).
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.