إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 04 نوفمبر 2017 - 15 صفر 1439هـ

العلم والإيمان (5)

كتبه/ هشام عزمي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعندما يكون المسلم على بصيرة بالرؤية الإيمانية الصحيحة لا يمكنه أن ينخدع بقول بعض العلماء الطبيعيين -الذين يحاولون التلفيق بيْن الدين والعلم-: إن العلم ليس له علاقة بالدين، وإن العلم لا يدل على الله ولا يؤدي للإيمان، كقول عالم الأحياء الشهير "فرانسيس كولينز": "الله خارج الطبيعة، وبالتالي فالعلم لا يستطيع أن يثبت أو ينفي وجوده!".

فالله عند "كولينز" مجرد فرضية زائدة لا يحتاجها العلم لتفسير وجود الكون أو وجود المخلوقات، ونحن باستطاعتنا تفسير جميع ظواهر العالم تفسيرًا إلحاديًّا دون الحاجة إلى افتراض وجود إله خالق مدبر قيوم!

لدرجة أني قرأتُ على بعض صفحات التواصل الاجتماعي كلامًا لبعض الباحثين العلميين في بلاد المسلمين يدعو فيه إلى تبني فكرة أن العلم محايد لا يدعو إلى الإيمان ولا الإلحاد، وهذه نغمة تتصاعد يومًا بعد يومٍ بيْن شباب المسلمين، وبدأ أفرادٌ مِن هنا وهناك ينتصرون لها ويدافعون عنها!

وهل هناك أسوأ مِن أن يُقال لنا: إن العلم لا يؤدي إلى الإيمان، وإن آيات الله في الكون وجميع المخلوقات في الحقيقة لا تدل عليه، وإنه لا يمكن معرفة وجود الله عن طريق تأملها وتدبرها والتفكر فيها؟!

فهذا المنظور الإلحادي هو الذي يريد بعض العلماء الطبيعيين أن يروجوه بيْن المسلمين؛ زاعمين أنه يحفظ للدين قدسيته، وسلامته وصيانته مِن التشكيك والاعتراض! وهو في جوهره مناقض للرؤية الإيمانية، ومناصر للرؤية الإلحادية.

وفي ضوء هذا المنظور يمكننا أن نفهم سر الهجوم العنيف الذي شنه ملاحدة الغرب على البروفيسور أنتوني فلو "Anthony Flew" الذي ترك الإلحاد واعتنق المذهب الربوبي، حتى إنه يقول: "لقد اتهمني رفاقي مِن غير المؤمنين بالغباء والخيانة، وخرف الشيخوخة، وكل ما يمكنك تخيله، ولم يقرأ أيهم كلمة واحدة مما كتبته!".

فالحقيقة أن الفارق بيْن الإلحاد والربوبية ليس كبيرًا كما يتصور البعض، بل إن المذهبين سواء؛ حرب على الدين، وعلى تعبيد الخلق لرب العالمين، وإنما خطيئة "فلو" الكبرى هي أنه استدل بالعلم على وجود الإله، وأشار إلى ما في قوانين الكون، وما في تعقيد الشفرة الوراثية مِن دلالاتٍ على الخالق، وهو انحيازٌ كاملٌ للفلسفة الإيمانية، وانقلاب عنيف على الفلسفة الإلحادية التي تنكر هذا المسلك؛ فكان جزاؤه لأجل اتباعه لهذا المسلك عند الملحدين هو تدمير مصداقيته بالكلية، واتهامه بالغباء والخيانة، وخرف الشيخوخة!

فليت عزيزي القارئ الذي يقرأ هذه الكلمات يتبصر، ويستوعب مناط الخلاف ومحور النزاع، ومدار الصراع الدائر بيْن الإيمان والإلحاد، وأن الأمر لا يتعلق فقط بالإيمان بالخالق فقط، بل بطريقة التفكير والعقلية الإيمانية التي تتأمل ظواهر هذا العالم، وتستمد منها إيمانها، ويؤدي تدبر هذه الظواهر وتأملها والتفكر فيها إلى زيادة الإيمان في القلب وتقويته؛ فعن طريق قطع العلاقة بيْن العلم والإيمان لا ينقطع فقط سبيل الاستدلال بالخلق على الخالق أو الاستدلال بالعلم على الإيمان، بل كذلك سبيل النظر، والتفكر والتدبر، والتأمل في الكون والحياة، والمكتشفات العلمية التي تتجدد يومًا بعد يومٍ، فبدلًا مِن أن تصبح بابًا لترسيخ الإيمان في النفوس؛ تصبح سبيلًا إلى الجحود والإنكار!