إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 08 أكتوبر 2018 - 28 محرم 1440هـ

هوان المسلمين (3)

كتبه/ صبري سليم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى- (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران:139).

فجعل الله -عز وجل- أسباب العلو شيئًا واحدًا، أن تكون مؤمنًا، فإذا كنت مؤمنًا ولم يكن لديك مِن أسباب العلو شيء؛ فأنت عالٍ، فما ينبغي أن تكون ذليلًا ولا هينًا، أين هذا العلو للناس حتى في بلاد الاسلام المنيعة؟! أين هم مِن حكامهم وحكوماتهم؟! إنهم أصبحوا عبيدًا أذلة؟!

أين العزة على أعداء الله -تعالى-؟!

بل حتى مِن جانب آخر: أين الذلة للمؤمنين؟!

مع الأسف الشديد انتكست أحوالهم، وتحولت تحويلًا تامًّا، فبدلًا مِن أن يكون المؤمن على أخيه هينًا لينًا رحيمًا ذليلًا، وأن يكون مع جلاديه عزيزًا عليهم لا يبالي بهم، قلب الأمر؛ فأصبح ذليلًا للجلادين والغاصبين والجهلة، وأصبح متعاليًا ومتكبرًا، ومندفعًا ومتمردًا على إخوانه المسلمين!

مِن هنا طالت هذه المِحنة، لكنها لابد أن تزول يومًا.

ولماذا لا بد أن تزول؟! لأن الحق ثابت إلى يوم الساعة، والباطل له جولة أو جولات، لكن الله لا يأذن للباطل أبدًا أن يعلو على الحق مهما علا زبده (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد:17)، (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ) (الأنبياء:18).

فماذا يفعل الإنسان؟!

عليه أن يتحمل ويتمسك بعزة الإسلام، ولابد أن يعرف أن أعداءه مهما كثر عددهم؛ فإن نواصيهم بيد الله، ولابد أن يعرف مِن جانبٍ آخر: أن الله -سبحانه- لن يجعل للناس سلطانًا على الناس في أجلهم وأرزاقهم، وإنما الآجال بيده، فلكل أمة أجل، ولكل فم ما كتب له أن يمضغه، فما لم يمضغ ما كتب له فلن يموت، وقد بيَّن رسول الله ذلك في واضح كلماته، فقال لأصحابه: (إنّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أنّ نَفْساً لنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَكْمِلَ أجَلَها وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَها فاتّقُوا الله وأجْمِلُوا فِي الطَّلبِ وَلَا يَحْمِلنَّ أحَدَكُمُ اسْتِبْطاءُ الرِّزْقِ أنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةِ الله فإنّ الله تَعَالَى لَا يُنالُ مَا عِنْدَهُ إلاّ بِطاعَتِهِ) (رواه الطبراني والبيهقي، وصححه الألباني).

لماذا يرتكب الإنسان المعصية في رزقه، والرزق لا يكون إلا مِن عند الله؟!

لماذا يرتكب الإنسان المعصية ويعطي مِن نفسه الدنية خوفًا على أجله وأكله، وذلك لا يأتي إلا بإذن الله، ولا يتوفى الأنفس إلا الذي سلكها في الأجساد؟!

نحن في حاجة إلى أن نستشعر قيمة الأمانة التي نحملها وأن نعتز بها؛ فإننا إن لم نعتز بهذه الأمانة هانت على الناس، وكنا نحن أشد هوانًا، وذلك ما فعله الناس بِنَا وما فعلناه في أنفسنا، وإن الله -تعالى- لا يقبل عبادة مِن ذليلٍ يذل نفسه للناس يدعي بعد ذلك أنه ذلَّ نفسه لله، لا يقبل الله عبادة مِن أحدٍ يعظم الناس ثم يزعم بعد ذلك أنه يعظِّم الله، لا يقبل الله عبادة مِن أحد يخاف الناس ثم يزعم بعد ذلك أنه لا يخاف مع الله أحدًا، لا يقبل الله عبادة مِن أحدٍ يطمع فيما عند الناس ويرجوهم ويزعم بعد ذلك أنه يطلب رزقه مِن الله؛ إنما يقبل الله العبادة مِن الذي علم أن ربه الله، وأن خالقه الله، وأن مالك أمره الله؛ يوم يفهم المسلمون ذلك يوم لا يخضعون لسلاطين ما تصلح لشيءٍ، يوم لا تغريهم الدنيا فمِن أجلها يتنازلون عن دينهم، يوم لا تهتز القيم عندهم فيكون الإسلام هو منبع عزتهم، وليست الوطنية ولا القومية، ولا الانتساب لقطعة أرض، يوم يكونون كذلك فما نصر الله عنهم ببعيدٍ.