إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 07 أغسطس 2018 - 25 ذو القعدة 1439هـ

(إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) (2)

كتبه/ صبحي فتحي الشلمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهناك أنواع مِن المطل، منها:

1- مطل المدين المعسر: اتفق الفقهاء -رحمهم الله- على أن المعسر الذي لا يجد وفاءً، ولا يقدر على أداء ما عليه مِن دين، يجب إنظاره، ولا تحل مطالبته إلى أن يوسر؛ وذلك لقوله -تعالى-: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) (البقرة:280)، ويُعد ذلك مِن مكارم الأخلاق، وقد وعد الله مَن ينظر معسرًا الأجر والمثوبة في الدنيا والآخرة، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ) (رواه مسلم).

- ومنها: ما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ) (متفق عليه).

- ومنها أيضًا: عن أبي قتادة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ) (رواه مسلم).

2- مطل المدين الغني المعذور: والمقصود به تأخير المدين الغني التسديد والوفاء لعذرٍ منعه عن ذلك كغيبة ماله، وعدم وجوده بيْن يديه وقت الوفاء بغير تعمده، وربما تعرض المدين الغني لنقصٍ في السيولة مع غناه بالموجودات والأصول الثابتة أو لعدم تصريف بضاعته، أو إنهاء مساهمته، أو ربما حصلت له ظروف كالتي تحصل للتجار غالبًا، فمطله حينئذٍ غير محرم، ولا إثم عليه في ذلك؛ لأن المطل المنهي عنه، هو تأخير ما استحق أداؤه بغير عذرٍ.

 3- مطل المدين الموسر بلا عذرٍ: مطل المدين الموسر القادر على قضاء الدين بلا عذرٍ، وذلك بعد مطالبة صاحب الحق، محرم شرعًا، ومِن الظلم الموجب للعقوبة الحاملة على الوفاء، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ) (متفق عليه)، وقد عدَّ السبكي، والهيثمي في الزواجر، والمناوي، مطل الغني مِن غير عذر بعد مطالبته مِن الكبائر ومتوعد بالعقوبة في الدنيا والآخرة، بل إنَّ نفس المؤمن إذا مات تبقى مُعلَّقة ومحبوسَة عن دخول الجنة حتى يُقضى عنه دَينه؛ لِمَا ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

وامتنع النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن صلاة الجنازة على رجلٍ مات وعليه دين حتى تبرَّع أحد الصحابة -رضي الله عنهم- بسداده عنه، فصحَّ عن سلمة بن الأَكْوع -رضي الله عنه- أنَّه قال: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: (هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟)، قَالُوا: لاَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: (فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟)، قَالُوا: ثَلاَثَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ)، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ -رضي الله عنه-: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. (رواه البخاري).

ويمنع مِن الذهاب الى العمرة او الحج إلا بعد سداد دينه أو إذن اصحاب الديون، ويجبر على السداد بالشكاية عند القاضي والعقوبة بالحبس حتى يسدد ما عليه، ويجبر على بيع ممتلكاته إلا ما هو ضروري  كمسكن أو مركب او ملبس أو خادم لسداد الغرماء، فإن لم يفِ بسداد ما عليه تقاسمه الغرماء، وكل ذلك عليه أدله مِن السُّنة والإجماع، وعمل المسلمين وقضائهم في السلف والخلف، وفي الآخرة هو مِن المفلسين، فيؤخذ مِن حسناته حتى إذا فنيت أخذ مِن سيئاتهم ثم طرحت عليه فطرح في النار، حيث إن وصفه بالظلم وحل العرض والعقوبة مِن أكبر الوعيد، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) (رواه البخاري).

وننبِّه المدينين أن هناك ثمة أسباب تُعين على سداد الدين.

ومِن هذه الأسباب:

- اللجوء إلى الله -تعالى- بدعائه بالإعانة على سداد الدَّين، وإزالة همه، والغِنى مِن الفقر؛ لاسيَّما بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن أدعية تتعلق بذلك، والتي منها: (اللهُمَّ اكْفِنِي بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ) (أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).

- الاقتصاد في المعيشة، والتَّوسُّط في النَّفقة على النَّفْس والأهل والعيال، وادِّخار ما بقي مِن مال ولو كان قليلًا.

- والعزْم والنِّية الصادقة على سداد الدَّين، فقد ثبت: أَنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَدَانَتْ، فَقِيلَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَسْتَدِينِينَ وَلَيْسَ عِنْدَكِ وَفَاءٌ، قَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ أَخَذَ دَيْنًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ أَعَانَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) (رواه النسائي، وصححه الألباني).

وأخيرًا: فاني أذكر كلَّ غني مماطل أن يتوب، ويعطي الحقوق أهلها قبْل أن يخطفه الموت فجأة، ويبقى الدَّين في ذمته إلى يوم القيامة، وليعمل بوصية رسول الله في التوبة، والتحلل مِن المظالم.

هذا ما أردت تنبيه المسلمين إلى العمل به.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.