إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 13 مارس 2018 - 25 جمادى الثانية 1439هـ

السرُّ ليس في النظارة!

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيقولون: إنه كان هناك رجل أُمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ومعه خطاب يريد أن يعرف محتواه؛ فأعطى الخطاب لرجل يقرؤه له، لكن هذا الرجل كان ضعيف البصر، فحاول أن يقرأ الخطاب فلم يستطع، فأخرج نظارته وقرأ الخطاب لصاحبه، وأخذ يوضح له ما يحويه الخطاب، فقال الأمي في نفسه متعجبًا: النظارة فعلت كل هذا؟!

ثم سأل الرجل: ما هذه النظارة العجيبة؟!

فأجابه: هذه نظارة قراءة.

فذهب الرجل الأمي واشترى لنفسه نظارة للقراءة، ثم لبسها وأخذ ينظر في بعض الصفحات المكتوبة، فلم يستطع القراءة! وجهل هذا الرجل أن القضية لا تكمن في النظارة، ولكن تكمن فيما وراء النظارة، وهي العين التي خلقها الله -تعالى-، وهي الأصل بلا شك، أما النظارة فهي عامل مساعد فقط للأصل؛ فلابد أن يكون الأصل موجودًا، فلو لبس الأعمى مثلًا عشرات -بل ومئات- النظارات فلن تغني عنه شيئًا؛ وذلك لافتقاده للأصل.

وكذلك نحن: الأصل عندنا هو الصدق؛ صدق الإيمان، وصدق أعمال القلوب، وصدق الالتزام، وصدق السلوك، وليس صدق الهيئة ولا الشكل؛ السر يكمن في الصدق مع الله، السر يكمن في الصدق مع النفس.

فماذا تفعل الجوارح بدون القلب الذي هو الأصل؟!

لذا نستطيع أن نقول: إن الصدق هو الدين كله بشموله وكماله، وأعلى مقامات الصدق هو صدق القلب، قال -تعالى-: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (الزمر:33)، أي: والذي جاء بالصدق في قوله وعمله وصدَّق به إيمانًا وعملًا، أولئك هم الذين جمعوا خصال التقوى.

وقال -تعالى-: (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) (محمد:21)، أي: لو أَخْلَصُوا لَهُ النية في جميع أحوالهم؛ لكان خيرًا لهم، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119)، أي: كونوا مع محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه؛ كونوا مع الكتاب والسُّنة.

وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "إن أردت أن تكون مع الصادقين؛ فعليك بالزهد في الدنيا، والكف عن أهل الملة".

ولنتأمل في حال أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-!

قال النووي -رحمه الله-: "وأجمعت الأئمة على تسميته صدِّيقًا. قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: إن الله -تعالى- هو الذي سمَّى أبا بكرٍ على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدِّيقًا، وسبب تسميته أنه بادر إلى تصديق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولازم الصدق، فلم يقع منه هناة ولا وقفة في حالٍ مِن الأحوال" (انتهى مِن تهذيب الأسماء واللغات).

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وَالصِّدِّيقُ أَكْمَلُ مِنَ الْمُحَدَّثِ، لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِكَمَالِ صَدِّيقِيَّتِهِ وَمُتَابَعَتِهِ عَنِ التَّحْدِيثِ وَالْإِلْهَامِ وَالْكَشْفِ، فَإِنَّهُ قَدْ سَلَّمَ قَلْبَهُ كُلَّهُ وَسِرَّهُ وَظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ لِلرَّسُولِ، فَاسْتَغْنَى بِهِ عَمَّا مِنْهُ".

فالسر ليس في النظارة، ولكن لابد مِن وجود الأصل.

والله المستعان.