إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 08 فبراير 2018 - 22 جمادى الأولى 1439هـ

حوار مع د."إبراهيم الزعفراني" حول نصيحته بـ"حلِّ حزب النور"!

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كتب د."إبراهيم الزعفراني" منشورًا على صفحته على "الفيس بوك" بعنوان: "نصيحةُ صدقٍ وإشفاقٍ لإخواننا في حزب النور"

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10156091393347612&set=a.10152123194342612.1073741825.694212611&type=3

وفي هذا المقال نعلـِّق على بعض الجوانب المتعلقة بهذه النصيحة.

أولًا: نص نصيحة الدكتور "إبراهيم الزعفراني":

قال د."إبراهيم الزعفراني" في نصيحته: "أدعو إخواننا في حزب النور المصري إلى سرعة الإعلان بحلِّ الحزب للأسباب التالية:

?- وجود الحزب يورطكم في الموافقة على أفعالٍ وقراراتٍ تحملكم كثيرًا مِن الأوزار عند الله وعند الناس.

2- وجود الحزب يحملكم ضغوطًا سياسية وأمنية لا طاقة لكم بمواجهتها إلا بالانصياع لإملاءاتهم.

3- مواقف الحزب بعد الانقلاب تشوِّه صورة الإسلاميين باستخدامهم لشرعنة القتل والسجن والتعذيب، والتجويع لشعب بأكمله، والتفريط في الأرض والقيم!

4- وجود الحزب على هذه الصورة يعرضه لاختراقات عناصر أمنية تجعله مرهونًا لرغباتها، غير معبِّرٍ عن قواعده المتدينة.

5- مواقف الحزب تعرضه لغضب ولعنات ودعوات المظلومين وأهليهم ومحبيهم.

6- مواقف الحزب تسقط جملة المنتمين للدعوة السلفية مِن نظر الكثيرين على المستوى الداخلي والمحلى والعالمي.

في حال وافقتْ قيادة الحزب على حلِّه:

- ستصبحون بعيدين عن العمل الحزبي، ولن تكونوا مطالبين وقتها كمجموعٍ في هذا الحال بأداء هذا الدور التعيس.

- وستعود المدرسة سلفية لأصلها، كإحدى الحركات الإسلامية المنشغلة بإصلاح نفسها بالعلم والعبادة وإصلاح الآخرين، وتعليمهم بعض أمور دينهم.

- بعيدًا عن أن العداوة لغيركم مِن الحركات الإسلامية.

- بعيدًا عن الضغوط والإملاءات والاختراقات واللعنات وتشويه صورة الإسلاميين.

في حال عدم موافقة قياداته على حله:

فنصيحتي لأعضائه غير الراضين عن أدائه: الاستقالة منه ليبرءوا بأنفسهم عن مواقفه وأفعاله".

ثانيًا: شكر وتوضيح وعتاب:

1- شكر: لا بد مِن أن تقول قيادات النور -ومحبوه- لكل ناصحٍ: جزاكم الله خيرًا.

2- توضيح: البعض ظن أن منشور د."إبراهيم" هو جزء مِن حملة الهجوم المتزامن الذي قاده عددٌ مِن رموز تحالف "رابعة العدوية" في الآونة الأخيرة، وهو هجوم يمثـِّل تيارًا مستمرًا، ولكنه يتحول إلى إعصارٍ في كل المنعطفات السياسية، وما يلبث أن يهدأ حتى ينشط ثانية، وهو ما شغل القوم عن التفكير في أنفسهم!

بل لن نكون مبالغين إذا قلنا: إن أحد أدوار هذه الأعاصير هو شغل الأفراد عن التأمل في الطريق الثوري الذي سلكوه متى؟ ولمَ كانت بدايته؟ ومتى؟ وكيف سيُعلنون نهايته؟!

ولكن مَن يتابع صفحة د."إبراهيم الزعفراني"؛ سيجد أنه طرح -وما زال- فكرة اعتزال الإسلاميين للعمل السياسي على الإخوان قبْل أن يعرضها على حزب النور كما في المنشور التالي:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10155832486662612&set=a.10152123194342612.1073741825.694212611&type=3&theater

3- عتاب: في نصائحه للإخوان بترك العمل السياسي التزم د."الزعفراني" بألا يوجِّه كلامه إلا إلى القيادات "لا سيما المرشد ونائبه" مؤكِّداً أنه يطرح الفكرة ليحملها مَن يستطيع حملها إلى أحد الرجلين، ولم يفكر أن يوجِّه كلامه إلى شباب الإخوان بترك الجماعة، في حين أنه لم يتوانَ مِن أن يطالِب "أعضاء حزب النور" بالاستقالة براءة مِن أفعاله!

قد يُقال: إنه منزعج مِن إقدام "حزب النور" على تأييد الرئيس "عبد الفتاح السيسي" في الانتخابات، وبالتالي خرجت النصيحة بهذه الحدة، وبهذه الاقتراحات.

ولكن أرى أن هذا ليس عذرًا: فهو رغم دعوته للكيانات باعتزال العمل السياسي إلا أنه ليس ممَن يدعون إلى اعتزال الحياة السياسية -كما سيأتي-، بل وليس ممَن يدعون إلى اعتزال الانتخابات الرئاسية تمسكًا بالاستحقاقات الانتخابية السابقة على "3-7"، والتي يقول إنها تحولتْ إلى ما يشبه بالفرائض الخمسة عند البعض، بل إنه كان مِن ضمن مَن يمهدون لدعم مرشح آخر، وبعد الانسحاب وجَّه التحية إلى الأستاذ "خالد علي"، و"الفريق عنان"!

ولا أدري كيف يمكن لمَن كان يريد تأييد "الفريق عنان" أن ينزعج كل هذا الانزعاج مِن تأييد الرئيس "السيسي"، ومعلوم أن "الفريق عنان" رجل عسكري لا يتماشى ترشيحه مع شعار: (يسقط يسقط... حكم العسكر!).

كما أن هذا يَطرح أسئلة حول ما سبق أن اتهمه الإخوان به مِن أنه مسئول عن "موقعة الجمل"، وهل دماء "موقعة الجمل" أقل حرمة مثلًا مِن دماء "رابعة" فتقبل إحداهما التصالح -بل التغاضي!- بينما لا تقبل الأخرى إلا جريان مزيدٍ مِن الدماء؟!

ناهيك عن استقبال "حماس" لمدير مخابرات السيسي، ووضعهم صور السيسي في الميادين، والثناء على دوره في المصالحة!

إذن فالأمر ليس فيه ما يستدعي كل هذا الانزعاج!

وبالطبع فإن للدكتور "إبراهيم" إجابة (إخوانية - كربونية) على هذه الجزئية، وسوف أتعرض لها في نهاية المقال.

ويأتي العتاب الأكبر للدكتور "إبراهيم": في أنه رغم عباراته المهذبة؛ فقد ترك صفحته مجالًا ليثبت لنا متابعوه أن الإخوان عندهم ازدواجية أخلاقية عجيبة جدًّا! فمع كثرة حديثهم عن التربية والأدب تجدهم عند الغضب في قمة سوء الأدب!

بالطبع يُحسب لهؤلاء الشاتمين في صفحة د."الزعفراني" أنهم استخدموا شتائم مِن قاموس العمالة والنفاق الذي استخدمه "إخوان 65"، مع مَن وافق على مصالحة "عبد الناصر" قبْل أن تتصالح الجماعة ككلٍّ مع نائبه "السادات"، ولم يستخدموا السب بالألفاظ السوقية التي شرعن لها "وجدي غنيم"، و"عصام تليمة"، وغرق فيها شباب الإخوان حتى آذانهم (وفي الشر خيار!).

طبعًا كان يمكن أن يُقال إن د."إبراهيم" لا يتابع التعليقات، ولكن هذا العذر سقط عندما وجدتُه شمَّر عن ساعد الجد؛ ليرد على تعليقات الإخوة المدافعين عن "حزب النور"! وعلى رأسهم د."وائل سمير"، والذي سننقل طرفًا مِن حواره مع د."إبراهيم" في آخر المقال.

ثالثًا: الموقف الإخواني الراهن كما يحكيه د."إبراهيم الزعفراني":

نشر د."إبراهيم الزعفراني" منشورًا بعنوان: "حوار مع قيادي مقرَّب مِن متخذ القرار الإخواني"

https://www.facebook.com/ibrahim.zafarany/posts/10155912334962612

وإليك نص المنشور:

"خاطبته ليقرأ منشوري الأخير ويوافيني برأيه.

- فرد بقوله: لقد قرأتُه، لكن العسكر لا يريدون أن ينسحب الإخوان مِن المشهد السياسي فقط، بل يريدون أن ينسحبوا مِن الدنيا كلها ليس منهم رجل رشيد يمكن أن تكون له كلمة.

لقد تحدثت مرارًا وتكرارًا منذ "2014م" أن نلجأ إلى حلٍّ سياسي وقت ما كان لدينا موقف مدعوم مِن الخارج والداخل، ولكن سبني الناس جميعًا حتى مَن في السجون!

وأرجو أن ترجع لمداخلتي مع أ."ممدوح إسماعيل" على قناة الشرق، وكذلك مداخلتي مع د."أسامة جاويش" منذ ? شهور تقريبًا، وأخيرًا مع أ."محمد ناصر".

وأعتقد أنه لدينا فرصة الآن، ولكن الحوار لن يكون مع العسكر.

قلتُ له: أنا لستُ مع أي حوارٍ مباشرٍ بيْن الإخوان والعسكر، رؤيتي هي أن يجيد الإخوان لعبة الشطرنج، يجب أن تُلاعبوا الانقلاب تلك اللعبة فتبادروا بالحركة باعتباركم المضارين الأشد مِن استمرار الحال على ما هو عليه.

وذلك بأن تعيدوا تموضعكم وتعلنوا ذلك، كما ينقل لاعب الشطرنج الماهر إحدى قطعه على الرقعة دون أن ينظر أو يتكلم مع خصمه، فيجبره على التحرك في الاتجاه الذي يؤدي لفوزه في النهاية.

- فرد قائلًا: أما آن لنا أن نلعب سياسة لإنقاذ 80 ألف معتقل، ونحد مِن معانة 100 ألف مطارد، وأكثر مِن 180 ألف أسرة؟!

للأسف القرار يحتاج إلى رجلٍ قوي لا يهاب ما يقول، ولا يهاب ما سيُقال، ولا يخشى في الله لومة لائم، والأستاذ مستعد لهذه الخطوة، ولكن -للأسف- هناك مَن يثبطه، ويجعله مترددًا في الاتجاه نحوها، لكنني لم ولن أيأس -إن شاء الله-.

وللأسف الشديد هناك مَن هو مستفيد مما نحن فيه، ولا يريد أن تحل الأزمة، ويلومني على أفكاري ورسائلي وتصريحاتي، ولكن هذا كله لا يفت في عضدي، وربنا المستعان.

- قلتُ له: مَن تقصد بالأستاذ؟

- أجاب: نائب المرشد.

- قلتُ: أليس مِن الإخوان مَن يعينك في مهمتك؟ أين الذين يقدرون مسؤوليتهم أمام إخوانهم، وأمام ربهم يوم القيامة، اللى ساكت ساكت ليه، مش حيقابل ربه واللا إيه؟!

أتمنى أن يتحرك ضمير العقلاء والأتقياء داخل الإخوان، وأن يعملوا لمساعدة متخذ القرار، مِن أجل تحريك المياه الراكدة، ولنبدأ بتقليل الخسائر ثم إيقافها؛ وصولًا لإصلاح أوضاع البلاد، وإعادة الحقوق لأصحابها" (انتهى المنشور. ملاحظة: ميَّزتُ بعض العبارات بخط أسفلها رغبة في أن يعطيها القارئ اهتمامًا خاصًّا).

تعليقات وردود هامة:

بعد أن استعرضنا هذا المنشور الهام، نورد طائفة مِن أهم التعليقات التي كُتبت عليه سواء مِن د."إبراهيم" أو مِن معلقين آخرين.

1- د."إبراهيم": الذي تواصلتُ معه هو م."محمد سودان". وهو يقصد الأستاذ / إبراهيم منير.

2- د."إبراهيم" (ردًّا على معلِّق يقول إن إبراهيم منير غير مؤهل لتولي القيادة): "انا مصدوم ومندهش مثلك تماما، واستشعر عدم الامانة والاستعانة بحياة الاخوان زحرياتهم وذويهم، حين يوسد الامر لغير اهله" (ملاحظة: أوردتُ العبارة كما هي بأخطائها الإملائية المعتادة في الكتابة على الفيس بوك حتى لا أُتهم بالتحريف؛ لا سيما أن تصويب الكلمات واضح).

3- معلِّق: ولكم في ما فعلته حماس مع السلطة بوساطةٍ مصريةٍ تجربه تستحق الدراسة، رأفة بالمعتقلين والمطاردين.

د."إبراهيم": أوافقك تمامًا.

4- معلق: الجماعة يا أستاذنا دخلت منحدرًا ذو اتجاهٍ واحدٍ، ومكملين في السقوط، وقد اعتقدوا أن المبالغة في المظلومية سيحشد الناس حولهم مِن جديدٍ، ولكن دعاوى المظلومية صَرفتْ كثيرًا مِن الشباب عنهم لمنحدرٍ أوعر، وجرهم الشحن الديني العاطفي إلى العنف وحمل السلاح مما أدى بالدولة إلى التعامل معهم، وزيادة العنف والعنف المضاد، ولا ندري: إلى متى يستمر سلسال الدم هذا؟!

5- معلق: "يا والدي: فكرة أن ينتظر للعسكر الجلوس أو التفاوض قد ولَّت وولًى عهدها مِن بعد المجزرة.

القيادات الفاسدة -عليها مِن الله ما تستحق- اختارت المواجهة وخسرت؛ فاستمرار الأمر فظ لماء وجههم، ولو ذهب أضعاف الضحايا مرة أخرى!

أما مَن يريد حل الأزمة؛ فليس إلا التنازل والتراجع، وإعلان الانسحاب -الجماعة والحزب- مِن الحياة السياسية تمامًا، وأيضًا: إعلان دعوة للمصالحة (ظاهريًّا مع الشعب أو الدولة، وضمنيًّا مع العسكر).

سيرفض العسكر ويؤلب إعلامه القذر الفاجر لدحض فكرة تراجع الجماعة، لكنه لن يستطيع الصمود أمام حقيقة صدق القرار -إن تم، ولن يتم- وارتياح الناس له وبعض قيادات العسكر والداخلية والإعلام، وسينشق صفهم في مواجهة طلب الشعب لإنهاء الصراع، وأمله في الخروج مِن البلاء المبين، وسيأخذ هذا وقتًا، لكنه سيخفف الوطء على المسجونين ومن خارجه.

بعد سنين... يستطيع الإخوان العودة تدريجيًّا ولو مِن أبوابٍ خلفية تسمح بها الدولة مِن باب تهدئة الأمر، ولكن بمنهجية معتدلة مختلفة غير مكبوتة.

وفي الآخر ده مجرد رأي شاب ضعيف الثقافة والعلم، ليس لديه إلا الأمل... ولكنه معدم!".

رابعًا: الجُبن في مواجهة تيار العنف هو أحد أهم أسباب البلاء:

تأكيدًا للمعنى الذي ورد في المنشور السابق مِن جبن العقلاء عن إيقاف تيار العنف والصدام، كتب د."إبراهيم الزعفراني" منشورًا:

https://www.facebook.com/ibrahim.zafarany/posts/10155715594522612

كان نص المنشور:

"جرائم المستبدين: القتل والتعذيب والسجن، وجريمتنا ميوعة موقفنا مع مَن يقاومونهم بالعنف، ونحن على يقين بالنتيجة خوفًا مِن وصفنا بالجبن!" (انتهى المنشور).

وكنا نود ممَن عجز عن شيءٍ -ولو خوفًا مِن شباب جماعة تعرف جيدًا كيف تطلق حملات التشويه!- أن يكون داعمًا لمَن واتته الشجاعة أن يتحمل كل هذه البذاءات عبْر سنواتٍ طوال مِن أجل أن يبقى فريقٌ مِن الإسلاميين، على الأقل بعيدًا عن طريق مَن يأمر غيره بالانتحار لهدم المعبد على مَن فيه بالريموت كنترول!

خامسًا: د."الزعفراني" يدلل على شرعية المشاركة في انتخابات (2018م):

كتب د."إبراهيم الزعفراني" منشورًا يدعو فيه الإخوان إلى عدم مقاطعة انتخابات الرئاسة تطبيقًا لقواعد شرعية تحت عنوان: "مقاصد الشريعة... وأنصار الشرعية... والانتخابات المصرية".

https://www.facebook.com/ibrahim.zafarany/posts/10155919598822612

وكان نص المنشور كالتالي:

"مِن الواضح أن أنصار الشرعية (أنصار الاستحقاقات الانتخابية الخمسة) يديرون ظهورهم لمقاصد الشرعية الإسلامية، وهم يحددون موقفهم مِن الانتخابات المصرية القادمة عام 2018م.

فلنستعرض باختصارٍ شديدٍ بعضًا مِن هذه المقاصد الشرعية، والقواعد الكلية الأصولية في شريعتنا الإسلامية، ثم نكمل الحديث:

- لا ضرر ولا ضرار.

- الضرر يزال.

- الضرر يدفع بقدر الإمكان.

- الضرر لا يزال بمثله.

- الضرر الأشد يزال بالأخف.

- يتحمل الضرر الخاص لدفع ضررٍ عام.

- درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

- إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما.

- الضرورات تبيح المحظورات.

- الضرورة تقدر بقدرها.

- الممتنع عادة كالممتنع حقيقة.

- ما أبيح لسببٍ بطُل بزواله.

- المشقة تجلب التيسير.

وفي ضوء هذه القواعد العامة يقوم مَن لديه أدوات الاجتهاد باستنباط الأحكام الفقهية مِن خلال أدلة الإسلام التفصيلية، وهي ميزان لكل مسلم في ضوئها يحدد طريقه، ويتخذ موقفه وقراراته.

أقول ذلك بمناسبة الحراك القائم للانتخابات المصرية المقبلة في النصف الأول مِن العام القادم، وأرى أنصار الشرعية قد أداروا لها ظهورهم، وكبروا أدمغتهم بقول متحدث الإخوان: إن أمر الانتخابات القادمة لا يعنينا مِن قريبٍ أو بعيدٍ.

وكأن أمر مصر لا يعنيهم ومصالح العباد لا قيمة لها عندهم، ما يعنيهم هو ألا تسقط الاستحقاقات الانتخابية الخمس (الفرائض الخمس على حد تعبير منتقديهم مِن الإسلاميين)، والتي أصبحتْ بدورها بعد مرور السنوات واستنفاد مدة صلاحيتها الدستورية، محل خلاف وإشكال قانوني ودستوري.

فإن كنتم تمارسون سياسة فليس مِن السياسة أن تكشفوا أوراقكم، وتعلنوا موقفكم مِن الآن؛ فلعل ما تتكشف عنه الأيام والأمور في المستقبل ما يدعوكم لتغييرها، ومِن الأفضل أن لا يستطيع خصمك معرفة اتجاه قرارك، وأن تترك فرصة لأن يخطب الجميع ودك ويتبنوا بعض المبادئ بما تملكه مِن رصيدٍ لحصد أكبر المكاسب، وإن كنت تمارس دين فراجعوا مِن فضلكم مقاصد شريعتنا الإسلامية وقواعدها الكلية، وابنوا عليها قراراتكم ومواقفكم. وفي رؤيتي المتواضعة: إن موقف أنصار الشرعية لا يتفق مع هذا ولا ذاك!" (انتهى المنشور).

سادسًا: كيف يطبـِّق الإخوان وأنصارهم قواعد المصلحة والمفسدة في الحياة الشخصية:

كتب د."إبراهيم الزعفراني" منشورًا بعنوان: "خروجي مِن السجن لزيارة أبي المريض وحديث دار بيني وبين أ/ عاكف رحمة الله عليه":

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10155796796992612&set=a.10152123194342612.1073741825.694212611&type=3

وكان نص المنشور:

"عشتُ مع أ.عاكف ما يزيد عن عامين بسجن ملحق مزرعة طرة مِن أوائل عام 1996 حتى أبريل 1998م، وقد شارف على السبعين مِن عمره لكنه كان مرحًا نشطًا يستيقظ مبكرًا، يقوم بعمل طابور رياضي يومي صباحًا، معه كبار السن ممَن معنا مِن الإخوان، يعكف على مصحفه جل وقته، يشاركنا حضوره في الملاعب وتحكيمه مبارياتنا الرياضية

- يتعامل بروحٍ مِن الاحترام والتقدير لمَن حوله، ويحضرني موقفان يدلان على هذه الصفة:

الأول: علمتُ مِن زوجتي في أحد زياراتها لي في السجن بمرضٍ شديد أصاب أبي الذي قارب على الثمانين مِن العمر، وأن إخوان الإسكندرية تواصلوا مع إدارة جهاز "أمن الدولة" لتسهيل خروجي لرؤيته، تقدمتُ أنا أيضًا بطلبٍ لمصلحة السجون لزيارته، وتمت الموافقة.

وأثناء توجهي لبوابة السجن لركوب سيارة الترحيلات رافقني أ."عاكف" ودار بيننا الحديث الآتي: قال إبراهيم في الغالب سوف يلتقي بك مأمور السجن في مكتبه قبْل خروجك وفي الغالب أيضًا ستجد وسائل الإعلام موجودة بمكتبه للحديث معك، كما حدث مع أخوك "خيرت الشاطر" عندما خرج لحضور عقد زواج ابنته، ولكنه رفض الحديث إليهم.

فهمتُ ما يقصد، فقلت يا أ."عاكف" أنا شخصية غير شخصية م."خيرت" فله أن يفعل ما يوافق شخصيته، كما أن لي الحق أيضًا أن أتصرف بما يوافق شخصيتي. فهم أ."عاكف" ما أقصده، فقال: أتفق معك، تمام، إن لم يكن مثلك يحسن التصرف في مواقفه فمَن يحسنها إذن؟ كنا قد وصلنا امام باب مكتب المأمور فعانقني وانصرف.

وبالفعل تحدثتُ مع الصحف في وجود القناة المصرية الأولى عما نعانيه مِن تدهور في الخدمات الصحية داخل السجن، وعندما سئلت: هل لك مِن رسالة توجهها لوزير الداخلية ولرئيس الجمهورية بمناسبة السماح لك بزيارة والدك؟

فوجهتُ نداءً لرئيس الجمهورية بالإفراج عن إخواني الذين تجاوزوا الستين عامًا مِن أعمارهم أسوة بما فعل مع الحاج حلمي حمود، وكان أكبر المحبوسين سنًّا وقد قارب على التسعين عامًا، والذي تم أطلق سراحه قبْل خروجي للزيارة بأيامٍ قليلة بقرارٍ رئاسي، دون أن يقدم هو طلبًا بذلك.

وقلتُ: حسنًا فعل وزير الداخلية بالسماح لنا بالخروج لحضور بعض المناسبات الإنسانية، وإن كان الأصل أن نتمتع بحريتنا كاملة خارج السجون فنحن مواطنون مدنيون، قد حوكمنا أمام قضاء عسكري مفتقد لكل معايير العدالة.

لقد قدَّرتُ -ولا زلت- أقدر للأستاذ "عاكف" صحبته لي حتى مكتب مأمور السجن، ولطفه في إرسال رسالته لي، وقناعته وتجاوبه مع رسالتي إليه. رحمة الله عليه. سوف أورد الموقف الثاني في التدوينة اللاحقة بإذن الله" (انتهى المنشور).

وبالفعل تصرف د."إبراهيم" تصرفًا حسنًا أحسن فيه النصيحة، وألانها غاية اللين؛ حتى إنه اكتفى بالمطالبة بالإفراج عن كبار السن (فهل قال أحدٌ له: إنه بذلك راضٍ عن سجن الشباب؟!).

ولقد أثنى على هذا التصرف مِن وزير الداخلية (فهل قال له أحدٌ: إنه بذلك يثني على كل أفعاله؟! الإجابة: لا. فليحمد د."الزعفراني" الله -تعالى- أن السلفيين ما زالوا على العهد، لا يستحلون البغي على المخالف).

نقول: إن د."إبراهيم" قد وضع اللين هنا في موضعه؛ لأنه مِن غير المعقول أن تغلِّظ النصيحة في موضعٍ يقلل فيه الظالم مِن ظلمه، ولو افترضنا أن د."إبراهيم" كان مستغنٍ عن تلك الزيارة لوالده المريض؛ فإن الغلظة هنا مِن شأنها أن تغلق الباب على آخرين قد يكونون في أمس الحاجة لتخفيف الظلم عنهم في مثل هذه المواقف.

لقد ذكر د."إبراهيم الزعفراني" تصرفًا له، وآخر لـ"خيرت الشاطر"، واعتبر موقف "الشاطر" متشددًا مع أنه لم يزد على السكوت والإعراض عن الكلام مع الصحفيين، وبالطبع "الشاطر" لعله كان ينتوي أن يقول: إن خروجه مِن السجن لحضور فرح ابنته هو بعض حقه، وأنه لا منة لأحدٍ في هذا الإذن، ولكنه نظر في العواقب؛ فعدل عن هذا، ثم وازن بيْن الصمت التام وبيْن أن يقول ذات كلام د."الزعفراني"؛ فغلـَّب جانب الصمت.

يعني في النهاية... حتى موقف ممثل جناح الصقور في هذا الموقف الخاص كان موقفًا خاضعًا للمصالح والمفاسد، ولم يطبق فيه حديث: (أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَة حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِر) (رواه أحمد النسائي، وصححه الألباني)، هكذا وكأنه يجب تطبيقه بمعزلٍ عن باقي الأمور التي ذكرها د."الزعفراني" في منشور: "مقاصد الشريعة" المشار إليه آنفًا!

والمشكلة: أن كثيرًا مِن الرموز يطبقون هذا عندما يصل الأمر إليهم، ولكنهم يفتون الأتباع بعكسه، كما فعل "شيوخ المنصة" يوم الفضِّ؛ فظلوا يرددون أن مَن ينسحب سيكون مرتكبًا لجريمة الفرار يوم الزحف ثم لما وصل الأمر إليهم فروا!

ومَن فرَّ منهم ظل صامتًا ساكنًا يترقب إلى أن فرَّ الفرار التالي إلى قطر أو تركيا أو... ثم أخذ يسب ويلعن الساكتين الذي لا يطبقون سنة النبي -صلى الله عليه و سلم- في قول كلمة الحق عند سلطانٍ جائر!

سابعًا: بيْن د."إبراهيم الزعفراني" ود."وائل سمير":

بينما أنا أكتبُ هذا الرد، وجدتُ أن أحد شبابنا وهو د."وائل سمير" قد كفانا الرد، ودارت بينه وبيْن د."إبراهيم الزعفراني" هذه المساجلة في التعليقات على هذا المنشور:

- د."وائل": (صورة) جنود حماس وهم يحرسون لافتات الثناء والشكر للسيسي.

د.إبراهيم: حماس لم تستمر في الخضوع والخنوع والتأييد الأعمى لقتلةٍ فجرةٍ ظلمةٍ كحزب النور!

حماس قبلت بدور مصري للمصالحة الفلسطينية فقط دون أن تفرط في منهجها المقاوم، وجعلت نزع سلاح المقاومة خطـًّا أحمر.

(تعليقي: دكتور "إبراهيم" حماس اتفقتْ على تسليم الحكم للسلطة الفلسطينية التي ترون أنتم أنها هي مَن ترشد إسرائيل عن المجاهدين لتعتقلهم؛ فما حكم هذا؟! وأنتم تقولون: إن السيسي يُنفذ مصالح إسرائيل؛ فهل قَبِلتْ حماس بوكيل إسرائيل كراعٍ للصلح؟!

وحماس رحبت وأثنت ،وعلقت لافتات ترحيبية للسيسي؛ فهل هذا يلزم منه الخنوع والخضوع و الانبطاح أم لا؟ فإذا كان يلزم فليكن لازمًا للنور ولحماس، وإذا كان غير لازم لحماس؛ فكيف جعلته لازمًا للنور؟!).

- معلق آخر: بلاش تضليل في الكلام، الدكتور بيتكلم في موضوع لو مش عارف ترد عليه اسكت أكرملك!

(تعليقي: كلام أخينا "وائل" في صلب الموضوع، وهو يطالب د."إبراهيم" بأن يطبِّق في موقفه مِن حزب النور ذات القواعد التي طبقها في التعامل مع موقف حماس).

- د."إبراهيم": كرر تعليقه السابق.

- د."وائل": يعني حماس حطت ايدها مع دحلان وعباس... (الخونة على وصفهم).

ورفعت صور السيسي عندما زارها رئيس المخابرات، ولم يزورها السيسي.

ومع ذلك لم ينتقدها أحدٌ على فعلها ذلك، بل سموا ذلك حنكة سياسية، وقالوا مراعاة للمصالح والمفاسد المتعلقة بالقطاع، والوضع الإقليمي والعالمي؛ فهل وقعت حماس في الخيانة للقضية أم ماذا؟!

وإذا كانت لم تخن، وإنما راعت السنن الشرعية والكونية؛ فلماذا تنقم على نفس الفعل ونفس المنطلقات؟!

فما الفرق بيْن الموقفين؟!

- د."إبراهيم": حماس لم تنتخب القتلة المجرمين، ولا زالت تقاتِل أعداء أعتى قوة في المنطقة العصابات الصهيونية، ولا زالوا صامدين رغم الحصار، وقدَّموا مئات الشهداء والأرامل واليتامى، قاتلوا ثلاثة حروب وحدهم ودحضوا الصهاينة الذين يتمسح الحكام -بما فيهم قادة الانقلاب- تحت أقدامهم. فما هي إنجازات حزب النور في المقابل؟!

(تعليقي: أكبر إنجازات حزب النور أنه نأى بفصيلٍ إسلامي أن يكون تحت قيادة جماعة تجعل نفسها تحت قيادة رجل وصفتَه أنتَ بما وصفتَ! -راجع المقال أعلاه-، وأثبتت للمجتمع أن سلوك حرق المعبد على مَن فيه لا يسلكه إلا فئة مِن الإسلاميين، نسأل الله أن يتوب عليهم، ولكن ما الذي زج بموضوعات الإنجازات هنا؟! هل الفعل يكون نفاقًا وخيانة و... ولو كان مِن أحدٍ له رصيد إنجازات يكون جهادًا! سبحان الله! ثم إن دكتور "إبراهيم" يقول: حماس لم تنتخِب... نعم، ولكنها سلَّمت الحكم بدون انتخابات؛ فهل ثمة فرق مؤثر؟!).

- د.وائل: يعني حضرتك لم ترَ أن حماس وضعت يدها مع مَن كانت تسميهم الخونة، والعملاء ولم تنكر عليها... وتنكر على مَن وضع يده مع مؤسسات بلده، ونصح لهم بمطالب في بيانٍ علني، لم يستطع حزب معارض أن يتقدم به.

أليس ذلك مِن التناقض؟!

- ثم في سياق تعليق آخر دار الحوار التالي:

د."إبراهيم": أنا أشارك وأقول رأيي في معارضة الانقلاب، وأمارس الدعوة إلى الله بعدة طرق، ومنها: كتاباتي على صفحتي، وأرأس مؤسسة خيرية ترعى صحيًّا ألف وخمسمائة مواطن مصري دون أن أكون تابعًا لحاكمٍ ظالمٍ يتحكم في قراري ومساري، كما يحدث لحزب النور الذي شوَّه صورة السلفية والسلفيين!

لماذا لا يكون حزب النور كحزب مصر القوية أو حزب الوسط، ليسوا طييعين تابعين للطغاة والمستبدين؟!

وأين كلمة الحق التي تقولونها في المجال السياسي؟! لم نسمع لكم صوتًا إلا في تأييد الحاكم المستبد القاتل!

لا يمنعك أحدٌ مِن العمل الحزبي إذا كنتَ قادرًا على المواجهة السلمية بالطبع أو انتظر دون حزب حتى تصبح الظروف مناسبة لأن تكون حرًّا في اتخاذ قرارك!

د."وائل": حضرتك لم تجب على توصيف وضع حماس: هل هي كذلك خائنة وعميلة لأجل أنها وضعتْ يدها مع عباس ودحلان أم أن هذه فطنة سياسية؟!

وممكن تطلعنا على صورٍ مِن إنكار حزب الوسط على مبارك؟! ثم أين هو الآن على خريطة الإصلاح؟!

وبالمناسبة: حزب النور حزب معارض، ووضع تصور لخطة إنقاذ للوطن والمواطن، وقدَّم مطالب للسيد الرئيس مقابل دعمه وتأيده لفترة رئاسة تالية، وحضرتك لم تعلق بشيء موضوعي على هذه المطالب، سوى طلب حل الحزب!

والعجيب أن حزب الوسط إلى الآن لم تحله أو تدعو إلى حله؟!

(تعليقي: يا دكتور إبراهيم، موقف حزب الوسط أشبه بموقف خيرت الشاطر يوم فرح ابنته، بل سكوت خيرت الشاطر أقرب إلى الإنكار كما هو واضح، وهذا يختلف عن مواقف الأحزاب الآن، فإن أي حزب سياسي هو جزء مِن النظام السياسي للدولة بحكم تكوينه بدستور وقانون، وقرار وفق النظام القائم، وبالتالي فالصمت مِن الحزب أقرب إلى الإقرار منه إلى الإنكار، وأما موقفنا أشبه بموقفك يوم زيارة والدك المريض، وقد كنتَ وقتها تحبذ الثاني، ولو مع توجيه الشكر للرئيس ولوزير الداخلية حينها، مع أنكم كنتم في السجن، وكان في نفس التوقيت المواجهة الأكثر شراسة مع الجماعة الإسلامية).

وهذا ما يؤكد أن اقتراح حل الحزب مقحم في هذا السياق؛ لأن القضية قضية مواقف، يعني لو تم حل الحزب، واتخذ أفراده أو أي أفراد آخرون ذات المواقف لكانت منتقدة عند د."إبراهيم"، كما أنه يُفهم مِن كلامه الأخير أن الحزب لو بقي حزبًا وتخلى عن هذه المواقف إلى الصمت التام، مثل: "حزب الوسط"؛ لكان مقبولًا عند د."إبراهيم"، وقد بيَّنتُ مِن كلام د."إبراهيم" ومواقفه ما يدل على أنه مِن المفترض أن يكون الأقرب إلى اختياراته هو اختيار حزب النور، ولكنه لم يختر هذا الاختيار.

وفي رأيي أن هذه راجع لأمورٍ: جزء كبير منها، يكمن في الجبن عن مواجهة بعض التيارات الجارفة داخل الإخوان، وبلا شك أن هناك تيار كراهية جارف داخل الإخوان موجَّه إلى "السيسي" رغم التصريحات التي أدلتْ بها قيادة إخوانية، مثل: "عمرو دراج" أن "السيسي" لم يكن راضيًا عن "فض رابعة".

(بالمناسبة: ما هو تقييم موقف د."عمرو دراج"، ود."محمد علي بشر" مِن النظام بعد 3-7).

وهذا التيار الجارف مِن الكراهية جعلهم يبحثون عن أي بديلٍ ليعودوا إلى حضن الوطن تحت أي رئيس ناصري أو ليبرالي أو عضو سابق في جبهة الإنقاذ أو عسكري، وحتى لو كان كان مِن وجهة نظرهم مسئولًا عن دماء أخرى، وحتى لو كان فاسدًا، وحتى لو كانوا هم مَن احتفل مِن قبْل بتطهير البلاد مِن فساده!

والقضية الأعمق: أن الإخوان دخلوا مع كل الرؤساء تقريبًا في ذات الدورة، ولا بد لهم مِن مراجعةٍ صادقة مع النفس في أبوابٍ كثيرة، وهذا منها.

- فقد تعانوا مع "عبد الناصر" في "52" ثم اختلفوا معه، ويرى مؤرخهم "محمود عبد الحليم" أن تعالي الإخوان على "عبد الناصر" كان سببًا رئيسًا فيما حدث.

ثم لما اختلفوا معه اكتشفوا فجأة أن اليهود في "48" كانوا يمدونه بالبرتقال والشيكولاته، وهم يحاصِرون كتيبته؛ فهو بذلك عميلًا صهيونيًّا، وتربَّى في حارة اليهود و... ! (طبعًا الإخوان لا يخجلون مِن الطعن عند الاختلاف بأثرٍ رجعي، يعني لا يكتفون بأن يقولوا: إن عبد الناصر مثلًا غدر بهم إن كانوا يرون هذا، بل لا بد مِن أن يكون عميلًا صهيونيًّا! وممكن أحيانًا يكتشفون وهم يقلبون أوراقهم فجأة أن فلانًا "أمه يهودية!"، وعلى النقيض يمكن الشخص الفاسد المفسد مِن وجهة نظرهم فجأة يكتشفون أنه حفيد عمر بن الخطاب، وأنه أيضًا مِن الأشراف (كما رددت قنواتهم عن الفريق "عنان"، ولا أدري: كيف يمكن أن يجمع شخصٌ واحد بيْن هذين النسبين؟!).

المهم... اصطدموا مع عبد الناصر، ورفضوا المصالحة مرات، بل خونوا -وربما "كفَّروا"- مَن نادى بها في السجن، ورفعوا شعارات دم الشهداء وغيرها مِن الشعارات.

وفجأة وبعد 20 سنة تصالحوا مع "السادات" الذي كان عضو يمين في المحكمة التي حكمتْ بالإعدام على "عبد القادر عودة"، ولم يكن ثمة مجال للكلام على دماء "عبد القادر عودة" ولا غيره، ولا شيء مِن هذا!

والطريف: أن مَن يخالف الجماعة في أي مِن هذه الانفعالات (لا أظن أنها ترقى إلى أن تسمَّى اجتهادات؛ لا بالمعنى الشرعي، ولا بالمعنى السياسي، ولا بالمعنى الإداري) فإن كان مِن داخل الجماعة طُرد، وقيل: الجماعة تنفى خبثها! وإن كان مِن خارجها؛ فالتهم لا حصر لها!

حتى "عبد المنعم أبو الفتوح" الذي كان له شأن كبير في الجماعة، قال أحدهم: -أظنه مسئول أسرة إخوانية- عنه لما ترشح للرئاسة: إنه سوف يمنع صلاة الفجر، ويمنع الحجاب، و... !

فلما كانت جولة الإعادة شكر د."عصام العريان" مَن سيصطفون خلف د."مرسي"، وذكر منهم المجاهد "عبد المنعم أبو الفتوح"، والمناضل "حمدين صباحي"، ولما حضر اجتماع "4-7" مع القيادة العسكرية عاد إليه لقب الخائن والعميل، ولما اعتزل وصمت عادوا إلى السكوت عنه!

ولا أدري ماذا لو تمت المصالحة غير المباشرة مع النظام التي نصح بها د."إبراهيم" قيادات الإخوان... مَن سيوصف حينها بالعمالة والخيانة،ومَن سيوصف حينها بالتسرع والتشدد؟!

ولكن المؤكد: أن موقف الجماعة حينها سيكون عند أنصارها هو عين العقل والحكمة، وفهم مقاصد الشريعة، وسيكون مختلفًا جملة وتفصيلًا (في حس هؤلاء) عمن رأى هذا ونادى به قبْل الدماء والخسائر؛ لأن هؤلاء حينما نادوا بهذا انطلقوا مِن منطلق العمالة والخيانة، ولكن الجماعة عندما تعود لكلامهم حينها ستكون آخذة به مِن باب الحكمة والحنكة السياسية.

والله المستعان.