إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 03 فبراير 2018 - 17 جمادى الأولى 1439هـ

(وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)

كتبه/ إبراهيم بركات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن مِن سعادة العبد أن يقيمه الله على طاعته ويسدده، ويجعل له مِن أمره يسرًا.

وإن مِن ثوابت الشريعة الإسلامية الغراء: الاجتماع وعدم الفرقة، والتعاون على البر والتقوى، والحق مع أهل السُّنة والجماعة، والباطل بكل صورة مع أهل البدعة والاختلاف والفرقة.

والقيام لله -عز وجل- وتفعيل أعمال الإيمان للفرد وللأمة لا بد أن يكون على منهجٍ واضح المعالم، وإدارة تتقي الله فيما استرعاهم ربهم عليه مِن أفرادٍ تفوح في جنبات معسكرهم عطر المحبة والثقة، والتعاون على البر والتقوى، ونسائم الحنو والحنان، والبشاشة وحسن الظن.

وحسن الخلق يرفع سقف بيتهم المليء بالتواصل والتراحم، والحياة على الإيمان، وتعظيم شعائر الله مع روح التربية الحية، والتزكية العقدية، وهذا ما كان عليه سلف الأمة الصالح يوم أن كنا خير أمة!

والقيام لله -عز وجل- هو حال أهل الإيمان دائمًا: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) (آل عمران:113).

وكذلك هو موعظة الله لخلقة: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) (سبأ:46). وقومة الفريق يباركها صدق أفراده، وإخلاصهم لله -عز وجل-.

والقيام لله -عز وجل- يهيئ الفرص، ويفتح المجال لولادة جيلٍ جديدٍ مِن براعم فتية، وطلائع زكية، وسط ذلك الحقل البديع اليانع ثماره وبركاته على كل مَن يتعامل معه أو يراه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (مريم:96). أي: ودًّا ومحبة فيما بينهم، وكذلك مع غيرهم، وكذلك رحمة ومودة عند اختلافهم.

ومزرعة القائمين القانتين الصادقين الداعين إلى الله -عز وجل- لا تقر أعين أهلها إلا بالله -تبارك وتعالى-؛ لا يرى أحدهم لنفسه فضلاً، ولا يرى له حقًّا دائمًا، فهم يحرصون على تنمية إيمانهم وزيادته بكل الوسائل والطرق الشرعية، ولسان حال الواحد منهم دائمًا: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) (طه:84)، ومع التنمية الإيمانية لا بد مِن التزكية العقدية، والحياة على معاني أسماء الله وصفاته -عز وجل-، والتنعم بشهود آثارها والتعبد بدعاء الله بها على الدوام، مع الإكثار مِن دعاء الله في جوف الليل بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ساجد: (اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) (رواه مسلم).

فإذا تحقق المراد مِن التنمية الإيمانية، وحتمية زيادته بالطاعات وسائر العبادات؛ حتى لا ينقص، وكذلك التزكية العقدية التي تظهر جليًّا في ذلك الحقل الولود غير العقيم، مع براعم فتية تحمل الهم وزيادة، وعندهم غيرة دعوية ومحبة إيمانية، وصبر، وصدق تواصل مع المنهج ومع أهله -فهكذا نرى بشائر الفتح الرباني على الأمة، وعلى فريقٍ منها يقيم أصول الدين مِن عقيدة واتباع للنبي -صلى الله عليه وسلم- وتزكية، وكذلك الإعذار إلى الله بأداء أمانة الإبلاغ، والدلالة على الله -عز وجل-.

فيقيمون كل هذا فيما بينهم "وعلى خاصة أنفسهم"، ويجتهدون في دعوة الغير إليه، والفتح الرباني لا بد أن يُسبق بجهدٍ على مَن يستحقه ويناله مِن علاج الماضي والحاضر، بالتوبة والاستغفار والاجتهاد في صدق التواصل مع المنهج، والاتباع، وشكر نعم الله عليهم الظاهرة والباطنة، والمبالغة في ذلك؛ لتزداد وتدوم النعم.

ثم معرفة الزيادة والنقصان مِن الأيام لينال الجمع منحة النصر، ومرضاة الله -عز وجل-، وهذا نراه في قوله -تعالى-: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا . وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا . هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الفتح:1-4).

ونرى مِن الآيات ما يتبع ذلك مِن نزول السكينة في قلوب المؤمنين، وزيادة إيمانهم، والتجانس بيْن جند الأرض وجند السماء؛ لتحقيق الغاية التي خلقنا الله مِن أجلها، وهي عبوديته -تبارك وتعالى- حتى نعود كما كنا خير أمة.

فاللهم حبب إليها الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرِّه إليها الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا مِن الراشدين.

وصلِّ اللهم وسلم على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.