إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 11 مارس 2017 - 12 جمادى الثانية 1438هـ

بشائر مِن الهزائم (6)

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ذكرنا سابقًا كيف سقطت الدولة العباسية، وألقينا الضوء على الخراب والتدمير الذي لحق بالمسلمين مِن قِبَل التتار، ثم تأتي بشائر النصر منبثقة مِن الهزائم.

معركة "عين جالوت":

 يٌعد "سيف الدين قطز" مِن أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين، لما قٌتل الملك المعز "عز الدين أيبك" ثم قٌتلت بعده شجرة الدر، ثم تولى الأمر قطز؛ أجرى قطز بعض التعديلات في المناصب القيادية، وولى أصحاب الخبرة والكفاءة والأمانة، وقام ببعض الإصلاحات الداخلية؛ لتستقر الأمور في مصر، ثم كانت الوحدة بيْن مصر والشام.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد اجتمعت الكلمة عليه حتى انتهى إلى الشام -يعني اجتمعت الكلمة لقواد وأمراء المسلمين- ووُصِف هذا الملك بأنه كان شجاعًا وكان صالحًا لا يتعاطى شيئًا مما يتعاطاه الملوك والأمراء في ذلك الزمن أي مِن المفاسِد والمعاصي" اهـ.

و"سيف الدين قطز" هو واحد مِن أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين؛ نشأ "قطز" -كبقية المماليك- على التربية الدينية الصحيحة والمنهج النبوي، وتشبع بمبادئ الإسلام، وتدرب منذ صغره على فنون الفروسية، وأساليب القتال، وأنواع الإدارة؛ فقام أولاً بإصلاحاتٍ داخلية بمصر حتى استقرت الأوضاع الداخلية ثم حرص قطز على تحسين العلاقات والسياسات الخارجية مع جيران مصر مِن المسلمين؛ فانضم إلى جيش مصر الكثير مِن الجنود الشاميين، وهؤلاء هم معظم جيش "الناصر يوسف" صاحب دمشق وحلب، وجيش حماة وعلى رأسه "المنصور" أمير حماة.

لقد جاءت رسالة "هولاكو" مع أربعة مِن الرسل التتر، يهدِّد فيها "هولاكو" المصريين، وينذرهم بمستقبل ومصير أسود كما حدث لأهل العراق وغيرهم؛ لقد كانت الرسالة شديدة اللهجة تحمل في طياتها تهديدًا شديدًا.

ولقد كانت الفجوة هائلة بيْن إمكانيات التتار كدولة مِن كوريا شرقًا إلى بولندا غربًا، وإمكانيات مصر المحدودة؛ لا سيما وأن معنويات الناس قد تأثرت بسقوط الخلافة العباسية على أيدي التتار؛ بالإضافة إلى الجيوش الخُوارِزمية والأرمينية والكُرْجية والعباسية والأوروبية والشامية التي هُزِمت أمام جيوش التتار؛ فليس هناك مقارنة بيْن عدد جيوش التتار وجيوش المسلمين وأسلحة التتار، وأسلحة المسلمين، ولكن لقد قرر "قطز" أن يقطع أعناق الرُسل الأربعة الذين أرسلهم إليه "هولاكو" بالرسالة التهديدية، وأن يعلق رءوسهم على باب زويلة في القاهرة، وذلك حتى يراها أكبر عددٍ مِن الشعب، وهو يرمي بذلك إلى طمأنة الشعب بأن قائدهم لا يخاف ولا يخشى التتار.

وها هو "قطز" يتحرك بجيشه، ومعه سلطان العلماء "العز بن عبد السلام"، وكثير مِن العلماء والعبَّاد، وقرر "قطز" بعد اجتماعه مع قادة الجيش أن يتحرك الجيش إلى أرض فلسطين، وكانت "غزة" هي البداية؛ فلقد دخل "ركن الدين بيبرس" في قتال مع التتار في "غزة" وانتصر عليهم ثم تحرك الجيش إلى "عين جالوت" في يوم الجمعة في الخامس والعشرين مِن شهر رمضان مِن عام 658هـ، وها هو "بيبرس" قائد المقدمة يعطي إشارة البدء لرجال جيشه بالتحرك، فانطلقوا بكل شجاعة وبسالة في اتجاه جيش التتار؛ ذلكم الجيش الذي أفزع وأرهب العالم، واستولى على كثير مِن البلاد!

وتعالت أصوات المسلمين بصيحات التكبير، وهنا بدأ "بيبرس" تنفيذ الخطة المتفق عليها، وهو أن يظهر انسحابه مِن الميدان، وأخذ الجيش يتراجع، وهنا سارع التتار بالزحف خلف قوات المسلمين التي أظهرت الانسحاب، ثم كانت المفاجأة؛ ألا وهي نزول كتائب الإسلام مِن خلف التلال، ومِن ثَمَّ تم تطويق جيش التتار بقيادة "سيف الدين قطز"، وهنا اشتدت المعركة وحمي الوطيس وأخذ "قظز" يصيح صيحته الشهيرة في الميدان: (وا إسلاماه)؛ تلك الصيحة التي ألهبت المشاعر، وهزت القلوب، وبدأ جنود التتار يتساقطون على الأرض كتساقط الذباب، وقٌتل مَن قتل منهم، وفرَّ مَن فر منهم، وجاء الحق وزهق الباطل، وانتهت أسطورة الجيش الذي أرهب العالم، وسيطر على نصف الكرة الأرضية تقريبًا.

وهنا ينزل "قطز" مِن على فرسه، ويسجد لله -تعالى- شكرًا على نعمة النصر المبين، ثم تحرك الجيش الإسلامي إلى أرض الشام لتحرير حمص وحلب وجميع المدن المحتلة، وطهَّر المسلمون أرض الشام مِن التتار، وتم توحيد مصر والشام تحت راية واحدة، وهكذا كانت الانتصارات بعد الهزائم؛ إنها حكمة الله وإرادته، فإن أشد ساعات الليل ظلمة تلك التي تسبق بزوغ الفجر، وأشد لحظات السماء تلبدًا بالغيوم تلك التي تسبق هطول المطر، وأشد أوقات المرأة إيلامًا تلك التي تسبق المخاض والميلاد الجديد!

ومِن تقدير الله -تعالى- أنه في عام 656هـ، ولد "عثمان أرطغرل" مؤسس الدولة العثمانية، وهي السَّنة التي غزا فيها المغول بلاد المسلمين بقيادة "هولاكو"، وأسقطوا بغداد عاصمة الخلافة العباسية.

لقد كان الخطب عظيمًا والحدث جللاً، والمصيبة كبرى؛ جاء التتار فهتكوا الأعراض، وسفكوا الدماء، وقتلوا الأنفس، ونهبوا الأموال، وخرَّبوا الديار، في تلك الظروف الصعبة وُلد عثمان مؤسس الدولة العثمانية، فبداية التمكين هي أقصى نقطة مِن الضعف، وتلك هي بداية الصعود نحو العزة والنصر والتمكين، والله المستعان.