إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 07 مارس 2017 - 8 جمادى الثانية 1438هـ

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (16) موقعة الجمل "الأسباب والنتائج"

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أخبر الصادق المصدوق الذي لا يَنطق عن الهوى -صلى الله عليه وسلم- بوقوع الفتن، بل وحدد موطنها، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقِ، يَقُولُ: (أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا، أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) (متفق عليه).

وقد حدث ما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فمِن العراق ظهر الخوارج، والشيعة، والروافض، والباطنية، وغيرهم، ومِن جهة الفرس خرجت القاديانية، والبهائية، وغيرها مِن الفرق!

وكذا مِن جهة المشرق "مسيلمة الكذاب" و"الدجال".

ومنذ أن مات الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، والفتن لم تتوقف، وقد أخبر بذلك أيضًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبدأت الفتن تشتعل بموت أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.

وها نحن نبيِّن الآن ما حدث بيْن الصحب الكرام بعد موت عثمان -رضي الله عنه-؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى ما حدث؟ وما هي النتائج التي ترتبت على هذه الأحداث؟

أولاً: بيعة علي -رضي الله عنه- وتوليه أمر الخلافة:

بقيت المدينة بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- خمسة أيام وأميرها الغافقي ابن حرب، أحد قتلة عثمان -رضي الله عنه-، والناس يلتمسون مَن يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه؛ فعن محمد ابن الحنفية قال: كنتُ مع علي بن أبي طالب وعثمان محصر، قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة. قال: فقام علي -رحمه الله-، قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفًا عليه فقال: خلَّ لا أم لك، قال: فأتى على الدار، وقد قٌتل الرجل -رحمه الله-، فأتى داره فدخلها فأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه، فقالوا: إن هذا قد قُتل، ولا بد للناس مِن خليفة ولا نعلم أحدًا أحق بها منك، فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزيرًا خير مني لكم أميرًا. فقالوا: لا والله لا نعلم أحدًا أحق بها منك.

قال: فإن أبيتم عليَّ فإن بيعتي لا تكون سرًّا، ولكن أخرج إلى المسجد؛ فبايعه الناس.

وفي رواية أخرى عن سالم بن أبي الجعد عن محمد ابن الحنفية: فأتاه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: إن هذا الرجل قد قُتل ولا بد للناس مِن إمام، ولا نجد أحدًا أحق بها منك؛ أقدم مشاهد، ولا أقرب مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فقال علي: لا تفعلوا فإني لكم وزيرًا خير مني أميرًا، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففي المسجد فإنه ينبغي لبيعتي ألا تكون خفيًا، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين. فقال عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: لقد كرهتُ أن يأتي المسجد كراهية أن يشغب عليه، وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل المسجد جاء المهاجرون والأنصار فبايعوا وبايع الناس، وكان فيهم طلحة والزبير -رضي الله عنهما-، فأتوا عليًّا فقالوا: يا أبا حسن، هلم نبايعك، وتمت البيعة منهما، وهكذا تمتْ بيعة علي -رضي الله عنه- بالخلافة بطريقة الاختيار بعد خروج البغاة على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-.

ثانيًا: اختلاف الصحابة -رضي الله عنهم- حول مسألة القِصاص مِن قتلة عثمان -رضي الله عنه-:

بعد أن تمت البيعة لعلي -رضي الله عنه-، ذهب طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام -رضي الله عنهما- إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وطلبا منه أن يقيم القصاص على قتلة عثمان -رضي الله عنه-؛ فاعتذر أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-.

ومِن هنا بدأ الخلاف: فلقد رأى علي -رضي الله عنه- بفهمه وفقهه واجتهاده ومراعاته للمصالح والمفاسد أن يٌؤجِّل إقامة القصاص على قتلة عثمان؛ لا سيما وأن مثل هذه الأمور يصعب فيها أولاً تحديد الجناة، وهذا يحتاج إلى تحقيقٍ واسع للتعرف على الجناة؛ لا سيما مع صعوبة التثبت في أوقات الفتن والفوضى، ثم إن ذلك يحتاج إلى قوة واستقرار في الدولة للقدرة على إقامة القصاص لو ثبتت شروطه.

وهنا رفض طلحة والزبير -رضي الله عنهما- هذا الاجتهاد، وقررا الخروج إلى مكة حيث مقام أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بعد أن أدت فريضة الحج، ثم استأذن طلحة والزبير عليًّا في العمرة؛ فأذن لهما، فلحقا بمكة، ثم أرسلت نائلة زوج عثمان -رضي الله عنه- قميصه الذي قُتِل فيه إلى معاوية بن أبي سفيان في بلاد الشام، ووضعت فيه أصابعها التي قٌطعت وهي تدافع عن زوجها أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-.

ونود أن نؤكِّد على: أن الخلاف الذي نشأ بيْن أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- مِن جهةٍ، وبيْن طلحة والزبير وعائشة -رضي الله عنهم- مِن جهةٍ أخرى، ثم بعد ذلك بيْن علي ومعاوية -رضي الله عنهما- لم يكن سببه أن هؤلاء كانوا يقدحون في خلافة أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وإمامته وأحقيته بالخلافة والولاية على المسلمين؛ فقد كان هذا محل إجماع بينهم.

قال ابن حزم -رحمه الله-: "ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة، ولكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود مِن قتلة عثمان  -رضي الله عنه- على البيعة، ورأى نفسه أحق بمطلب دم عثمان".

وهكذا اعتذر علي -رضي الله عنه- عن أخذ الثأر، وقال: "إن قتلة عثمان لهم مدد وأعوان"، وقد تعصب لهم كثيرٌ مِن الناس وبلغ عددهم ما يقرب مِن عشرة آلاف، وهم متفرقون في المدينة والكوفة ومصر.

ولما سمعت السيدة عائشة -رضي الله عنها- بموت عثمان في طريق عودتها مِن مكة إلى المدينة، رجعت إلى مكة ودخلت المسجد الحرام، وقصدت الحجر فتستَّرت فيه، واجتمع الناس إليها فقالت: أيها الناس إن الغوغاء مِن أهل الأمصار، وأهل المياه، خلجوا -تحركوا واضطربوا-، وبادروا بالعدوان؛ نبا فعلهم عن قولهم، فسفكوا الدم الحرام، واستحلوا البلد الحرام، وأخذوا المال الحرام، واستحلوا الشهر الحرام، والله لأصبع عثمان خير مِن طباق الأرض أمثالهم، فنجاة -أي اطلبوا النجاة باجتماعكم عليهم- مِن اجتماعكم عليهم حتى يَنْكل بهم غيرهم، ويشرَّد مَن بعدهم، ووالله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبًا نخلُص منه كما يخلص الذهب مِن خبثه أو الثوب مِن درنه، إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء.

وجاء في رواية: أن عائشة -رضي الله عنها- حين انصرفت راجعة إلى مكة أتاها عبد الله بن عامر الحضرمي -أمير مكة-، فقال لها: ما ردّك يا أم المؤمنين؟ قالت: ردي أن عثمان قُتل مظلومًا، وأن الأمر لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمر؛ فاطلبوا بدم عثمان تعزوا الإسلام.

وقد ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة ثناء عائشة -رضي الله عنها- على عثمان -رضي الله عنه-، ولعنها لمَن قتله في رواياتٍ متعددة.

ثم قدِم طلحة والزبير -رضي الله عنهما- إلى مكة ولقيا عائشة -رضي الله عنها-، وكان وصولهما إلى مكة بعد أربعة أشهر مِن مقتل عثمان -رضي الله عنه- تقريبًا، أي في ربيع الآخر مِن عام 36هـ، ثم بدأ التفاوض في مكة مع عائشة -رضي الله عنها- للخروج، وقد كانت هناك ضغوط نفسية كبيرة على الذين وجدوا أنفسهم لم يفعلوا شيئًا لإيقاف عملية قتل الخليفة المظلوم، فقد اتهموا أنفسهم بأنهم خذلوا الخليفة، وأنه لا تكفير لذنبهم هذا -حسب قولهم- إلا الخروج للمطالبة بدمه، علمًا بأن عثمان -رضي الله عنه- هو الذي نهى كل مَن أراد أن يدافع عنه في حياته تضحية في سبيل الله!

فعائشة -رضي الله عنها- تقول: إن عثمان -رضي الله عنه- قُتل مظلومًا، والله لأطالبن بدمه. وطلحة -رضي الله عنه- يقول: إنه كان مني في عثمان شيء ليس توبتي إلا أن يُسفك دمي في طلب دمه! والزبير -رضي الله عنه- يقول: نُنهض الناس فيدرك بهذا الدم لئلا يَبْطل، فإن في إبطاله توهين سلطان الله بيننا أبدًا؛ إذا لم يُفطم الناس عن أمثالها لم يبقَ إمام إلا قتله هذا الضرب.

وبعد أن دار حوار بينهم حول الجهة التي يتوجهون إليها، قال بعضهم: نتوجه إلى المدينة، ومِن هؤلاء عائشة -رضي الله عنها-، وظهر رأي آخر يطلب التوجُّه إلى الشام ليتجمعوا معًا ضد قتلة عثمان، وهناك مَن رأى الذهاب إلى الكوفة، وبعد نظرٍ طويل استقروا على البصرة؛ لأن المدينة فيها كثرة ولا يقدرون على مواجهتهم لقلتهم؛ ولأن الشام صار مضمونًا لوجود معاوية، ومِن ثَمَّ يكون دخولهم البصرة أولى؛ لأنها أقل البلدان قوة وسلطة، ويستطيعون مِن خلالها تحقيق خطتهم.

وكانت خطتهم ومهمتهم واضحة سواء قبْل خروجهم أو أثناء طريقهم أو عند وصولهم إلى البصرة، وهي: المطالبة بدم عثمان، والإصلاح، وإعلام الناس بما فعل الغوغاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأن هذا المطلب هو لإقامة حدٍّ مِن حدود الله, وأنه إذا لم يؤخذ على أيدي قتلة عثمان -رضي الله عنه-؛ فسيكون كل إمام معرضًا للقتل مِن أمثال هؤلاء.

وسمي يوم خروجهم مِن مكة نحو البصرة بـ"يوم النحيب"، فلم يُرَ يوم كان أكثر باكيًا على الإسلام، أو باكيًا له مِن ذلك اليوم! فلما خرجتْ إلى البصرة، وبلغ ذلك عثمان بن حنيف، وهو والي البصرة مِن قِبَل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أرسل إلى عائشة -رضي الله عنها- عند قدومها البصرة يسألها عن سبب قدومها، فقالت: "إن الغوغاء مِن أهل الأمصار، ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأحدثوا فيه الأحداث، وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله مع ما نالوا مِن قتل إمام المسلمين بلا تِرَة ولا عذر؛ فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام، والشهر الحرام، ومزقوا الأعراض والجنود، وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم، ضارين مضرين، غير نافعين ولا متقين، ولا يقدرون على امتناع ولا يأمنون؛ فخرجتُ في المسلمين أُعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا، وقرأتْ: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) (النساء:114)، فنهض في الإصلاح ممن أمر الله -عز وجل- وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصغير والكبير، والذكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروفٍ نأمركم به ونحضكم عليه، ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره".

وقد كادت عائشة -رضي الله عنها- أن تعود وترجع أثناء سيرها في الطريق إلى البصرة، فعن قيس ابن حازم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأزواجه: (أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وبالفعل مرت عائشة -رضي الله عنها- في الطريق على بعض مياه بني عامر ليلاً؛ فنبحت عليها الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ فقالوا: ماء الحوأب، فوقفت وقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لنا: (أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟)، فقال لها الزبير: أترجعين؟ عسى الله -عز وجل- أن يُصلح بك بيْن الناس.

ولما أرسل عليٌّ القعقاع بن عمرو -رضي الله عنه- لعائشة -رضي الله عنها- ومَن كان معها يسألها عن سبب قدومها، دخل عليها القعقاع فسلم عليها، وقال: أي أُمه، ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني، إصلاح بيْن الناس.

هذا وقد كانت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- قد خرجن إلى الحج في هذا العام فرارًا مِن الفتنة، فلما بلغ الناس بمكة أن عثمان -رضي الله عنه- قد قُتل أقمن بمكة، وكن قد خرجن منها فرجعن إليها، وجعلن ينتظرن ما يصنع الناس ويتحسسن الأخبار، فلما بويع علي خرج عددٌ مِن الصحابة مِن المدينة كارهين المقام بها بسبب الغوغاء مِن أهل الأمصار، فاجتمع بمكة منهم خلق كثير مِن الصحابة وأمهات المؤمنين.

وبقية أمهات المؤمنين قد وافقن عائشة -رضي الله عنها- على السير إلى المدينة؛ فلما اتفق رأي عائشة -رضي الله عنها- ومَن معها مِن الصحابة على السير إلى البصرة، رجعن عن ذلك، وقلن: لا نسير إلى غير المدينة، وكانت حفصة بنت عمر أم المؤمنين -رضي الله عنها- قد وافقت عائشة -رضي الله عنها- على المسير إلى البصرة، فمنعها أخوها عبد الله مِن ذلك، وأبى هو أن يسير معهم إلى غير المدينة، وسار الناس بصحبة عائشة -رضي الله عنها- في ألف فارس، وقيل تسعمائة فارس مِن أهل المدينة ومكة، وتلاحق بهم آخرون، فصاروا في ثلاثة آلاف رجل.

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.