إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 15 فبراير 2017 - 18 جمادى الأولى 1438هـ

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (13) استشهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنستعرض في هذا المقال موقف الصحابة -رضي الله عنهم- مِن أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- أثناء الحصار، بعد أن استعرضنا في المقال السابق تحركات المجرمين لمهاجمة عثمان -رضي الله عنه-.

موقف الصحابة -رضي الله عنهم- تجاه أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-:

لما رأى عثمان -رضي الله عنه- إصرار المتمردين على قتله حذرهم مِن ذلك، ومِن مغبته؛ فاطلع عليهم مِن كوة، وقال لهم: أيها الناس، لا تقتلوني واستعتبوني، فوالله لئن قتلتموني لا تقاتلوا جميعا أبدًا، ولا تجاهدوًا عدوًّا أبدًا، لتختلفن حتى تصيروا هكذا، وشبَّك بيْن أصابعه.

وفي رواية أنه قال: أيها الناس، لا تقتلوني، فإني والٍ وأخ مسلم، فوالله إن أردتُ إلا الإصلاح ما استطعت، أصبتُ أو أخطأت، وإنكم إن تقتلوني لا تصلوا جميعًا أبدًا، ولا تغزوا جميعًا أبدًا، ولا يقسم فيئكم بينكم.

وأرسل عثمان -رضي الله عنه- إلى الصحابة -رضي الله عنهم- يشاورهم في أمر المحاصرين وتوعدهم إياه بالقتل، فجاء علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقال: إن معي خمسمائة دارع، فأذن لي فأمنعك مِن القوم، فإنك لم تحدث شيئًا يُستحل به دمك، فقال: جُزيت خيرًا، ما أحب أن يهراق دم بسببي(1).

وعن أبي حبيبة(2)، قال: بعثني الزبير بن العوام إلى عثمان وهو محاصَر فدخلتُ عليه في يوم صائف وهو على كرسي، وعنده الحسن بن علي، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، فقلتُ: بعثني إليك الزبير بن العوام، وهو يقرؤك السلام ويقول لك: إني على طاعتي لم أبدِّل ولم أنكث، فإن شئتَ دخلتُ الدار معك، وكنتُ رجلاً مِن القوم، وإن شئت أقمت، فإن بني عمرو بن عوف وعدوني أن يصبحوا على بابي، ثم يمضون على ما آمرهم به، فلما سمع يعني عثمان الرسالة قال: الله أكبر، الحمد لله الذي عصم أخي، أقرئه السلام، ثم قل له: مكانك أحبّ إليَّ، وعسى الله أن يدفع بك عني، فلما قرأ الرسالة أبو هريرة قام فقال: ألا أخبركم ما سمعتُ أذناي مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قالوا: بلى، قال: أشهد لسمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "تكون بعدي فتن وأمور"، فقلنا: فأين المنجى منها يا رسول الله؟ قال: "إلى الأمين وحزبه"، وأشار إلى عثمان بن عفان، فقام الناس فقالوا: قد أمكنتنا البصائر، فأذن لنا في الجهاد؟ فقال: "أعزم على مَن كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل"(3).

ودخل عليه وهو محاصَر المغيرة بن شعبة، فقال: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وإني أعرض عليك خصالاً ثلاثة، اختر إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم، فإن معك عددًا وقوة، وأنتَ على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق بابًا سوى الباب الذي هم عليه، فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك بها، وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، فقال عثمان: أما أن أخرج فأقاتل فلن أكون أول مَن خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلوني, فإني سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يلحد رجل مِن قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم"، ولن أكون أنا، وأما أن ألحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية؛ فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة الرسول -صلى الله عليه وسلم-(4). وعزم الصحابة -رضي الله عنهم- على الدفاع عن عثمان، ودخل بعضهم الدار، ولكن عثمان -رضي الله عنه- عزم عليهم بشدةٍ، وشدد عليهم في الكف عن القتال دفاعًا عنه(5).

وقد حثَّ كعب بن مالك -رضي الله عنه- الأنصار على نصرة عثمان -رضي الله عنه- وقال لهم: يا معشر الأنصار، كونوا أنصار الله مرتين، فجاءت الأنصار عثمان ووقفوا ببابه، ودخل زيد بن ثابت -رضي الله عنه- وقال له: هؤلاء الأنصار بالباب، إن شئتَ كنا أنصار الله مرتين(6)، فرفض القتال وقال: لا حاجة لي في ذلك، كفوا(7).

وجاء الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، وقال له: أخترط سيفي؟ قال: لا، أبرأ إلى الله إذن مِنْ دمك، ولكن ثم(8) سيفك، وارجع إلى أبيك، وجاء أبو هريرة -رضي الله عنه- ودخل الدار على عثمان وأراد الدفاع عنه، فقال له عثمان،: يا أبا هريرة، أيسرك أن تقتل الناس جميعًا وإياي؟ قال: لا، قال، فإنك والله إن قتلتَ رجلاً واحدًا؛ فكأنما قُتِل الناس جميعًا، فرجع ولم يقاتِل(9).

ولما رأى بعض الصحابة إصرار عثمان -رضي الله عنه- على رفض قتال المحاصرين، وأن المحاصرين مصرون على قتله، لم يجدوا حيلة لحمايته سوى أن يعرضوا عليه مساعدته في الخروج إلى مكة هربًا مِن المحاصرين، فقد روى أن عبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وأسامة بن زيد، عرضوا عليه ذلك، وكان عرضهم متفرقًا، فقد عرض كل واحد منهم عليه ذلك على حدة، وعثمان -رضي الله عنه- يرفض كل هذه العروض(10).

موقف أمهات المؤمنين:

وكان موقف أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان -رضي الله عنهما- مِن المواقف البالغة الخطر في هذه الأحداث، لما حوصر عثمان -رضي الله عنه- ومٌنع عنه الماء، سرَّح عثمان ابنًا لعمرو بن حزم الأنصاري مِن جيران عثمان إلى علي بأنهم قد منعونا الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئًا مِن الماء فافعلوا، وإلى طلحة وإلى الزبير وإلى عائشة وأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان أولهم إنجادًا له علي وأم حبيبة وكانت أم حبيبة معنية بعثمان، كما قال ابن عساكر، وكان هذا طبيعيًّا منها؛ حيث النسب الأموي الواحد، جاءت أم حبيبة، فضربوا وجه بغلتها، فقالت: إن وصايا بني أمية إلى هذا الرجل، فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كيلا تهلك أموال أيتام وأرامل، قالوا: كاذبة، وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف فندت(11) بأم حبيبة فتلقاها الناس وقد مالت راحلتها، فتعلقوا بها، وأخذوها وقد كادت تقتل، فذهبوا بها إلى بيتها، ويبدو أنها -رضي الله عنها- أمرت ابن الجراح مولاها أن يلزم عثمان -رضي الله عنه-، فقد حدثت أحداث الدار، وكان ابن الجراح حاضرًا(12).

وما فعلته السيدة أم حبيبة -رضي الله عنها- فعلت مثله السيدة صفية -رضي الله عنها-؛ فلقد روي عن كنانة(13) قال: كنتُ أقود بصفية لتردَّ عن عثمان، فلقيها الأشتر(14)، فضرب وجه بغلتها حتى مالت، فقالت: ذروني لا يفضحني هذا، ثم وضعت خشبًا مِن منزلها إلى منزل عثمان تنقل عليه الطعام والماء(15).

وخرجت عائشة -رضي الله عنها- مِن المدينة وهي ممتلئة غيظـًا على المتمردين، وجاءها مروان بن الحكم، فقال: أم المؤمنين، لو أقمتِ كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل، فقالت: أتريد أن يصنع بي كما صنع بأم حبيبة، ثم لا أجد مَن يمنعني، لا والله لا أُعَيَّر(16), ولا أدري إلام يسلم أمر هؤلاء(17)، ورأت -رضي الله عنها- أن خروجها ربما كان مُعينًا في فض هذه الجموع، وتجهزت أمهات المؤمنين إلى الحج هربًا مِن الفتنة، وكانت هذه محاولة منهن لتخليص عثمان -رضي الله عنه- مِن أيدي هؤلاء المفتونين، الذين كان منهم محمد بن أبي بكر(18) أخو السيدة عائشة -رضي الله عنها-، الذي حاولت أن تستتبعه معها إلى الحج؛ فأبى، وهذا هو ما أكَّد عليه الإمام ابن العربي -رحمه الله- حيث قال: "تغيُّب أمهات المؤمنين مع عددٍ مِن الصحابة كان قطعًا للشغب بيْن الناس رجاء أن يرجع الناس إلى أمهاتهم، وأمهات المؤمنين؛ فيرعوا حرمة نبيهم"(19).

وللحديث بقية -بمشيئة الله تعالى-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ دمشق لابن عساكر (39/395).

(2) هو أبو حبيبة مولى الزبير بن العوام، روى عن الزبير، وسمع أبا هريرة وعثمان محصور.

(3) ابن حنبل: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى:241هـ)، فضائل الصحابة، المحقق: د.وصي الله محمد عباس، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى: 1403-1983، عدد الأجزاء: (1/ 511، 512).

(4) البداية والنهاية لابن كثير (7/211)، والحديث أخرجه أحمد في مسنده، وصححه الألباني، وضعفه شعيب الأرنؤوط (7/229)، وقال بضعفه أيضًا أحمد شاكر.

(5) أحمد معمور العسيري، موجز التاريخ الإسلامي، طبعة 1417هـ، 1996م، ص126.

(6) ابن سعد، الطبقات (3/70).

(7) محمد غبان، فتنة مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- (1/162).

(8) الثم هو:  إصلاح الشيء وإحكامه، ويحتمل أن تكون مصحفة مِن شم، والشم هو: إعادة السيف إلى غمده، لسان العرب (12/ 79).

(9) حسين فؤاد طلبة مِن أخلاق الخلفاء الراشدين، الناشر: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، عام 1977 ص75.

(10) محمد غبان، فتنة مقتل عثمان (1/ 166).

(11) ند البعير ونحوه ندًّا، وندودًا: نفر وشرد. انظر لسان العرب لابن منظور (3/419).

(12) ابن شبة: عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة بن ريطة النميري البصري، أبو زيد (المتوفى: 262هـ)، تاريخ المدينة، طبعة: 1399هـ، 1977م (4/ 1311).

(13) كنانة بن عدي بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف العبشمي، انظر: البلاذري، أنساب الأشراف (9/380).

(14) الأشتر النخعي، واسمه مالك بن الحارث، انظر الذهبي: سير أعلام النبلاء (4/ 34)، وتهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني( 10/ 11).

(15) الذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (المتوفى: 748هـ)، سير أعلام النبلاء، الناشر: دار الحديث - القاهرة، الطبعة: 1427هـ - 2006م (3/ 488).

(16) أُعَيَّر: مِن العار، وقد يبدي هذا التعبير أن الحالة التي وضع فيها الغوغاء السيدة أم حبيبة -رضي الله عنها- كانت شديدة الإيلام، انظر المعجم الوسيط (2/ 240).

(17) الطبري، تاريخ الرسل والملوك (5/ 401).

(18) وقد نزَّه الله -تعالى- أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون أحدٌ منهم مشاركًا في قتل عثمان -رضي الله عنه-، بل لم يكن أحدٌ مِن أبناء الصحابة مشاركًا، ولا معينًا لأولئك الخوارج المعتدين، وكل ما ورد في مشاركة أحدٍ مِن الصحابة -كعبد الرحمن بن عديس، وعمرو بن الحمِق- فمما لم يصح إسناده.

وقال النووي -رحمه الله-: "ولم يشارك في قتله أحدٌ مِن الصحابة" انتهى مِن "شرح مسلم"، وقال الأستاذ محمد بن عبد الله غبان الصبحي -حفظه الله-: "إنه لم يشترك في التحريض على عثمان -رضي الله عنه-؛ فضلاً عن قتله، أحدٌ مِن الصحابة -رضي الله عنهم-، وإن كل ما رُوي في ذلك ضعيف الإسناد" اهـ. وأما محمد بن أبي بكر: فليس هو مِن الصحابة أصلاً، ثم إنه لم يصح اشتراكه في قتل عثمان، ولا في التحريض عليه، وقد أثبت بعض العلماء روايات تبين تراجعه عن المشاركة في قتل عثمان.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ليس له صحبة ولا سابقة ولا فضيلة، فهو ليس مِن الصحابة؛ لا مِن المهاجرين ولا الأنصار... وليس هو معدودًا مِن أعيان العلماء والصالحين الذين في طبقته" ثم قال: "وأما محمد بن أبي بكر؛ فليس له ذكر في الكتب المعتمدة في الحديث والفقه" (انتهى مِن منهاج السنة النبوية (4 / 375 - 377).

وقال ابن كثير -رحمه الله-: "ويُروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت في حلقه! والصحيح: أن الذي فعل ذلك غيره، وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها! فتذمم مِن ذلك، وغطى وجهه ورجع، وحاجز دونه، فلم يُفِد، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا" (انتهى مِن البداية والنهاية 7/ 207).

وقال الأستاذ محمد بن عبد الله غبان الصبحي -حفظه الله-: "محمد بن أبي بكر لم يشترك في التحريض على قتل عثمان -رضي الله عنه-، ولا في قتله، وكل ما روي في اتهامه بذلك؛ باطل، لا صحة له".

(19) العواصم مِن القواصم لابن العربي (ص 156).